تمسّك بخيار الانتقام لشرفه، وقضى اللّيل متوتّرا قلقا، لم ينزع عنه حتّى ملابسه. نظر إلى السّاعة فوجد أنّ الوقت قد حان للانصراف قبل فوات الأوان، حمل الكيس الذي غلّف به الساطور وتوجه إلى العين مباشرة، وصوتُ سُهى يتردّد في أذنيه ناطقا بما أوصته به. عاين المكان والمفرق جيّدا ثمّ توارى خلف شجرة الزّيتون. سلّ السّاطور من الكيس فانعكس على سطحه ضوء القمر ليضيء جرحا على بعد لحظات فقط، وروحا تزهق وتنسل من جسد مدنّس إلى الأبد. تموضع بشكل جيّد بالنّسبة لهدفه المفترض القادم، دقائق بعد ذلك ارتفع آذان الفجر بصوت عال وعذب ودافئ، لم يعهده من قبل، يخترق شغاف القلوب ويبثّ روحانيّة سامية في قلب السّامع، لم يخطئه هذا الصّوت الرّبانيّ وهو الفنّان ذو الذائقة الفنّية والجّمالية الرّفيعة، لم يستطع ردّ واتّقاء كلّ ذلك الزخم الرّوحانيّ والجماليّ الممتع، الذي يحمله الصّوت، وراح ينصت وهو في هذه الحالة، سمع قدوم شخص يفترض أنّه "أبوساسة" ودخل إلى باحة العين وبعدها تجاوز الحاجز على يساره ودخل إلى المفرق وآكلي يراقبه وينتظر الوقت المناسب، حيث اتّخذ الوضعية التي كانت بذهنه تماما. بدأ ذاك الشخص يزيح التراب من فوهة السّاقية ليحوّل المياه إلى جهة أخرى، رفع آكلي السّاطور إلى الأعلى متأهّبا للهجوم عليه وهو معكوف، والآذان لا يزال متواصلا، ومفعوله قد بلغ ذروته في نفسه، فشعر بقشعريرة غريبة وبضعف وتنمّل شمل سواعده التي رفع بهما آلته القتاليّة، حاول أن يتثبّت ويجهز، شقّت مسمعه العبارة الأخيرة من الآذان السّاحر: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلّا الله. فانهارت قواه وانصرف "أبوساسة" المفترض بعد ثوان، وهو يشاهد طيفه خارجا من العين، فلم يصدق ما حلّ به وشهد أنّ لا إله إلّا الله وأنّ محمدا رسول الله، وراودته رغبة في الذّهاب إلى المسجد لأداء صلاة الفجر مع الجماعة وقراءة شيء من القرآن الكريم. دخل إلى العين ليتوضّأ، التحق به رجل لم يميّزه بعد أن حجبت الأشجار الكثيفة الباسقة ضوء القمر، سمع فقط كلمة السّلام عليكم، وعندما اقترب منه جيّدا تعرّف عليه، إنّه سي البشير أحد رجال القرية الطّيبين فردّ عليه آكلي التّحية:
- صباح الخير سي البشير كيف أحوالك؟
- لا بأس الحمد لله. كيف أخبارك بُنَيّ ؟
- نحمد الله على كلّ حال.
- الحمد لله، جئت إلى هنا منذ قليل لتحويل السّاقية، كون "بوساسة" مريضا، ونسيت أن أتوضأ هنا بماء العين الدافئ.
صعق آكلي من كلامه واضطرب كليّة فاستسمحه وخرج من العين فورا ومازال في دوار، لم يستوعب كلام الرّجل، في منتصف الطّريق تذكّر أنّه نسي الكيس بالعين، عاد بسرعة واسترجعه وتوجّه إلى المنزل وهو يتصبّب عرقا وقلبه يكاد يحطّم قفص صدره من شدّة دقّاته وسرعتها، أغلق على نفسه بحجرته، سمعتِ الأمّ صرير الباب، فطّلت عليه فوجدته مضطربا جدّا، وحرارته مرتفعة ! هرعت إلى الغرفة المجاورة فأيقظت أختَه "شلا" وطلبت منها أن تحضر منشفة وماءً باردا من القربة بسرعة. وضعت الأمّ المنشفة المبلّلة بماء بارد لتخفيض درجة حرارته المرتفعة، و تسأله في الوقت نفسه:
- ماذا جرى لك يا بنّي، أين كنت؟
لم يقوَ على الإجابة، بقي يرتعد من الحمّى الشّديدة، وأسنانه تصطّك !
- ربّي يشفيك يا بني، ربّي يرفع عنك البلاء!
بقيت الجدّة مسعودة مع شلا عند رأسه، فتمكنّت بصعوبة جمّة من تخفيض درجة حرارته، في غضون ذلك استسلم للنّوم حتى استيقظ عند العصر ولا يزال مذعورا. طلب من شلا كوبا من حليب الماعز وفنجان قهوة، وبعث أخته الصّغيرة سمراء لتشتري له علبة سجائر من دكّان القرية. دخل عليه الأب المريض مترنّحا وجلس إلى جانبه، لم يستطع أن يقول كلمة عندما شاهده في تلك الحالة فانفجر بالدّموع، لعلّها أبلغ من أيّ مجاز لغويّ ! حين يكون الإنسان مقعدا ببلية من عند لله، ويشاهد فلذة كبده تتعذّب أمام عينه، ولا يستطيع أن يفعل شيئا. لم تتمالك شلا وسمراء دموعهما فانضمّتا إلى حزن أبيهما الذي لم يشاهدا دموعه منذ وُلِدنَ، فارتسمت معالم جوّ جنائزيّ بكلّ تفاصيله السّوداء !التفّوا جميعا حول الابن الوحيد والأخ الوحيد. دموعهم الغزيرة الممزوجة بعبرات الابن المحموم، يعجز أيٌّ كان أن يؤوّلها إلّا هو، بين دموعه هو ودموع عائلته المنهمرة مشكّلة بحيرة من الحزن،وبرزخا؛ شتان بين دموع من ينتظر مغادرة عزيز يصعب فراقه، أو مكروه يصيبه لا محالة، ودموع الفرح، دموعه هو الذي نجا من ارتكاب جريمة وكبيرة من الكبائر في حقّ سي البشير الموقّر، الذي لا يملك لا ناقة ولا جمل في هذه القضية. أمر رهيب أن تسفك الدّماء ! والأدهى والأمرّ من كلّ هذا، وبعد كلّ الجهد والترصّد والإعداد.. يحدث أن تتغيّر المعطيات فتخطئ الهدف، وتصيب بريئا وتنزل عليه جزاءَ مَن تعدّى على شرفك، ولم تتأكّد بعد من هذه التّهمة، فالأمر قد يكون مجرّد إشاعات، أو أقوال من ليس لديه ما يقوله إلّا القذف والهراء.
استقرّت حالة آكلي وتحسّنت بعد ساعة من استيقاظه وراح يطمئن الجميع بأنّه على ما يرام، وأنّ ما حدث حالة عابرة لا غير، تنفسّ الجميع الصّعداء، وغادروا الغرفة مرتاحي البال بعد موجة من الحزن والهلع. أخرج البطل سيجارة أوقدها بولّاعة ليصعد دخانها متموّجا كرقصة شبح تأخذ شكل تموّجات متتالية إلى الأعلى. ازرقّت شفتاه من كثرة التّدخين، وغدا لون وجهه مفزعا وممتقعا يثير كلّ الشّفقة ! على شاطئ النّجاة وبعد العودة إلى ذاته، استدعى الحدث الماضي كما هو مكتملا، أرجع الشّريط إلى الخلف وتأمّل تفاصيله لحظة لحظة ليفهم سرّ إمساكه المفاجئ وتراجعه عن ثأره المؤكّد من "أبوساسة" فجر ذلك اليوم ! وما كان يستوقفه كلّ مرّة حين يعيد الحادثة في ذهنه إلّاوصيةُ حبيبته سهي ((تواجدك هناك ضروريّ، دون أن تفكّر في الثّأر من ذلك الرّجل، سيتولّى الله أمره قريبا)) وذاك الآذان المغربيّ المتقن والمؤدّى من طرف المؤذّن العابر باقتدار !لقد ملأ كيانه وارتاحت له نفسه وبثّ في قلبه الحيّ نشوة العارف، وشُلَّت حركة الشّيطان بشرايين دمّه، فزحزحته من عمق الشّر ودفعت به إلى برّ الحياة. كم هي عظيمة هذه الأصوات عندما تنفذ إلى القلوب الحيّة محمّلة بحبّ الحياة والتّشبّث بالجميل! عندما عرف هذا دبّت فيه الحياة مجدّدا، وخفق قلبه للحياة والسّكينة، وشعر بحاجة ماسّة إلى سيجارة جديدة، وجرعة موسيقيّة باذخة، ينتشي بها ليسافر بعيدا عن عالم المصائب والنّكبات، التي تدفع بالإنسان إلى اقتراف أبشع الجرائم في حقّ الكون وساكنته. سحب قيثارته من تحت السّرير، وشرع في دوزنتها على الطّابع الشّعبيّ، وضع ريشته على الوتر الثّالث صول مستهلا باستخبار حزين يدمي القلب، وتسلّل بكلّ ثقة إلى أعمق الأغاني القبائليّة الإنسانيّة التي تعكس بصدق حالة آكلي، وهي أغنية أحد جهابذة الأغنية القبائليّة دون منازع الشّيخ خلوي الونّاس رحمه الله بعنوان: أخاف أن ينفذ الصّبر، يقول في مطلعها على الإيقاع الشّعبي طبعا:
أخاف أن ينفذ الصّبر
كلّ يوم أنتقص منه قليلا
يتخفى متحايلا
لكنّ العقل يدركه
ويغرف منه باكيا
دموعه تسيل دون توقّف
بهذا العمل الرّاقي دشّن حدادا بلا وفاة، حدادا بلا ضحيّة، حدادا بلا فقدان، ممزوج بسرور لا يشبه إطلاقا الانشراحات التي تعوّد عليها، يختلف عن فرحة العيد بعد صوم شهر رمضان، وفرحة اللّقاء بعد فراق دام طويلا، وفرحة الإفطار بعد صوم يوم كامل، والنّصر بعد الهزيمة، والنّجاح بعد الفشل. إنّها منطقة وسطى بين الضّدّين، إنّه سرور آثم، و سعادة هجينة. وقع على مآسيه المتناثرة هنا وهناك حين رسّت ريشته على الأوتار السّاكنة. وضع رأسه على وسادة صوفية، رثّة مزيتة، من كثرة احتكاكها بشعره المجعّد الكثيف، المطليّ بزيت الزّيتون عند غياب المَرهم المناسب، تذكّر جوّ العاصمة المتّسم بالدينامكيّة، وسُهى التي فارقها الأسبوع الفارط، فقرّر العودة إلى الجزائر العاصمة في صبيحة اليوم الموالي. لم يُطِل التّفكير في الأمر، جمع أغراضه القليلة في حقيبة يمكن أن يحيلك منظرها إلى تاريخ الجزائر وأوروبا برمتها. أخبر الأمّ في أوّل ساعات الصّباح بقراره مبرّرا ذلك بالدّراسة، أسرعت الأم وأيقظت شلا وأمرتها بإعداد قرصين من كسرة الطّاجين المفضلة لدى آكلي. ومن كيس التّين المجفف المرصوص بزاوية من زوايا البيت، أخذت منه قليلا، فوضعته داخل كيس ورقي صغير. في وقت قياسيّ، فرغت شلا من إعداد ما طلبت أمّها منها، أسندت قرصي كسرة الطّاجين إلى الحائط ليبردا أو كما يقال بالتّعبير المحليّ ((لينطقا الشّهادة)) تستعمل هذه الصّيغة للتّعبير عن عدم التّسرّع في تناول الطّعام بعد نضجه مباشرة. أمّا الأمّ فشرعت في إعداد فطور الصّباح بعد أن حلبت معزتها البيضاء، حيث وضعت غلاّية القهوة التّقليديّة على الجمر بركن مخصص للطهي خارج البيت، وألحقت بها قدر الحليب. طلبت في الوقت نفسه من شلا أن تعدّ قرصة البيض بزيت الزّيتون. تناول فطور الصّباح مع أفراد عائلته في جوّ بهيج، أدخل الأب يده في جيبه أخرج ورقتين من فئة مائتي دينار ومنحها لابنه الوحيد، هو مبلغ اقترضه من أحد أصدقائه للعلاج ونبّهه:
- آكلي بنيّ عليك أن تهتمّ بدراستك، وابتعد عن أولاد الحرام، رفقاء السّوء هم سبب كلّ بلية.
- كن مطمئنا يا أبي، سأعمل بنصيحتك.
اغرورقت عينا الجَدّة مسعودة العطوفة بالدّموع، هي لا تقوى على لحظات الوداع، بل تمقتها مقتا عظيما، منذ أن ودّعت هكذا يوما آخاها إبراهيم المغترب بفرنسا، فراح سالما وعاد إليها بعد أيّام في تابوت، توفي في حادث عمل بالمصنع. فأوصت آكلي:
- كن حذرا العاصمة كبيرة، ويقال أنّها عامرة باللّصوص، تجنّب أماكن تواجدهم، ولا تمشِ في اللّيل.
- لا تقلقي أمّاه أتنقل غالبا رفقة أصدقائي.
هذا الجوّ العائليّ النّادر في زماننا وهذه المساعدة المعتبرة من الوالد، خلقت في نفس آكلى ثقة وطمأنينة.
- إليك يا أخي حسين صديقي منذ الطّفولة وابن قريتي: آكلي من صدّوق، هو زوج أختي المستقبليّ على سنّة الله ورسوله الكريم.
- الله يبارك، مرحبا بك عندنا.
- وهذه أختي، حرمه المستقبليّة إن شاء الله،
- الله يبارك متشرفونبكم، ربّي يوفّقكم في الحلال، ويرزقكما ذرية صالحة.
- جئناك أخي حسين كما أخبرتك بذلك البارحة من أجل اقتناء خاتم الخطوبة.
- هذا فقط ؟المَحَلّ محلُّكم.
نظر حسين إلى سهى وآكلي وقال لهما:
- بمقدوركما أخذ ما شئتما وتدفعان متى أردتما.
شكره الاثنان على حسن استقباله، وحسن نيّته وظنّه بهما. تفحّصا وقلّبا في كلّ معروضاته فلم يجدا الموديل الذي يبحثان عنه، وعندما شعر حسين بذلك، قدّم لهما كتالوج به كلّ ما يحوزه من مجوهرات من مختلف الأنواع والأحجام، وعندما تفحّصت سهى الكتالوج، عثرت على خاتم الخطوبة من قطعتين فريدتين، وحسين يتابع ليساعد سهى إن كانت هي بحاجة إلى ذلك، فأشارت بأصبعها إلى ذاك الخاتم فأخبرها أنّه من عيار أربعة وعشرين كارا،كان قد جلب مجموعة منه من تركيا، بينما البقية من عيار ثمانية عشر كارا. سألته عن ثمنه، تبسم في وجهها قائلا:
- لا تسألي عن الثّمن، أنتم أهل الدّار.
قرّرتْ أن تأخذ ذلك الخاتم.
- يمكنني أن أرى هذا الخاتم؟
- بالطّبع سيدتي.
- دخل الحجرة الخلفيّة، وبعد دقيقتين رجع. وتأسف بنفاذ ذاك النّوع. لكنّ سهى أصرّت على ذلك. وجّه الحديث إلى آكلي وحميد:
- إذا كان باستطاعتكم الذّهاب إلى محلي القديم بمدينة بوفاريك فإنّكم بالتأكيد ستجدون مرادكم إن شاء الله.
- نظر الجميع إلى بعضهم البعض في لحظة واحدة.
فقطعت سهى لحظة الصّمت بسؤالها:
- كم تبعد بوفاريك عن العاصمة؟
أجابها الصّائغ:
- ساعة على الأكثر.
- إذن هي ليست ببعيدة على ما يبدو. بإمكاننا الذّهاب يا حميد.
أجابها آكلي:
- أقترح عليكِ العودةَ إلى البيت، أما أنا وحميد فنأخذ رقم القطعة، ونذهب بعد أن يتصل عمّي حسين بمحله ببوفاريك. اتّفق الجميع على هذه الفكرة، حيث رجعت سهى من شارع ديدوش مراد إلى سعيد حمدين، واتّصل الصّائغ بمسيّر محلّه، ليننطلق الصّديقان إلى بوفاريك مباشرة، عثرا على المحلّ دون عناء يذكر، دخلا إليه فوجدا ترحابا كبيرا، وأنّ المشرف على المحل قد أحضر خاتم الخطوبة المطلوب، وبعد تفحّصه من طرف آكلي، سأل عن ثمنه، فأجابه المشرف:
- هذه هدية خطوبتكما من طرف سي حسين الصّائغ.
نظر إليه مندهشا ! لم يصدّق ما سمع.
-هدية من عند سي حسين، أنت متأكّد ممّا تقول يا سيّدي!؟
-بالتأكيد أخي، حدّثني هاتفيّا منذ قليل، وطلب منّي هذا.
-كَثّرَ اللّٕهُ خيرَه، و بارك في ماله.
تحدّث حميد إلى آكلي:
- سي حسين نِعْمَ الصّديق، أنت وسهى محظوظان، وفّقكما اللّه.
خرجا من المحلّ، وأخذا مباشرة تاكسي إلى العاصمة، لأنّ العائلة في انتظارهما لتناول الغذاء معا.
أمّا سهى فقد دعت بعض صديقاتها لمساعدتها في تحضير المائدة مع أمّها، ومشاركتها فرحتها، و بعد أن تمّ تحضير طبقَيْ الكُسْكُس والحَريرة وصينيّة القهوة. انتقلت سهى إلى غرفتها رفقة صديقتيها نورة ومريم، وشغّلت شريطا موسيقيا عاصميا، لكن ما لبثت كثيرا حتّى أوقفته ووضعت شريط موسيقَى قبائليّة راقصة. أخذت ترقص دون انقطاع ! تصاعدت حرارتها شيئا فشيئا حتّى انصهرت في الإيقاع، وصديقتاها توقّفن عن الرّقص لانبهارهما برقصتها السّريعة وحركاتها الدّائريّة واهتزازات مؤخرتها المكورة وحوضها الواسع ونهديها الواقفين. بدأ حديث الجسد الذّي يلغي أيّةَ لغة أخرى! ألم يسبق حديثُ الجسد الكتابةَ بمئات القرون؟ هذا ما تشهد عليه حضارة بابل والهند ومصر القديمة، ومن بعدها الحضارات الأخرى. انتابها شعور غريب، انفجرت مآقيها بالدّموع، لم تفهم إن كانت ترقص وتبكي فرحا، أم أنّها تؤدّي رقصة الموت؟ شيء ما بين هذا وذاك يتحرك بالتّناوب بداخلها.
في هذه الأثناء كان حميد وآكلي قد خرجا من منطقة "تاسلة المرجة" متّجهين إلى بير توتة، وفي منتصف الطّريق وجدا حاجزا للدّرك الوطنيّ ؟ أوقفوا سيارة التّاكسي وطلبوا منهما الوثائق وتحقّقوا من هويتهما فعرفوا أنّ آكلي قد أدّى الخدمة الوطنيّة ويشتغل في قطاع التّكوين المهنيّ، ويمارس الموسيقى، وأنّ حميد ابنُ مجاهد. أمروا السّائق بالبقاء في المكان إلى غاية عودتهم، أخذوهما وتوغّلوا في المزارع المجاورة، حينها عرفا أنّ الحاجز مزيف ليس للدّرك بل أقامه الإرهابيون بزي رسميّ! أدرك الصّديقان الحميمان مصيرهما المحتوم، وحجم الكارثة المنتظرة، بعدما صرّحا به من معلومات، انهمرت الدّموع سيولا على خدّي حميد، أمّا آكلي فمصدوم، فاقدُ معالمِ المكان والزّمان و فاقدُ القدرة حتّى على الكلام، ولقد كانا معصوبي الأعيُن خلال كلّ المسافة الفاصلة بين الطّريق و " الكازْما" (مخبأ الإرهابيين) المشيّدة تحت الأرض. أيّ قوّة يجندانها لمواجهة القدر المحتوم؟ أي حيلة تجنبهما حدّ السّيف؟ أيّ صدقة من صدقاتهما تبعد عنهما وقع البلاء؟ أيّ دعاء يقربهما إلى الله، ويبطل بقدرته قضاءه وقدره؟ وبأيّ قلب يقبلان ويرضيان بحلول ساعتهما؟
توقّفت سهى عن الرّقص ذهبت لتطّل على مائدتها، فوجدت أنّ الطّعام قد فقَدَ حرارته، وانسلت منه كما تنسل الرّوح من الجسد، فصار باردا، وأنّ الوقت المناسب قدّ مرّ بكثير، فبدأت الشّكوك تساور خلدها، والأمّ مع سي الطّيب الرّزين يهدئانها ويبرّران التّأخّر بسبب الزّحمة المرورية ليس إلّا. غادرت صديقتاها لطول انتظارهما. دخلت الغرفة ثانية وشغلت الموسيقى لترفع عنها ثقل لحظات الانتظار القاتلة، لم تتوانَ عن العودة إلى الرّقص ثانية، لكن هذه المرّة رقص بجنون غير معهود، هي الجرعة الوحيدة التي تنفذ إلى أعماقها وتجعلها تستمتع بعذاباتها وخيباتها المستمرة، هي رقصة الحرب التي تقوي العزيمة وتجهّز النّفس للهجوم أو المقاومة.
على وقع دقّات الإيقاع الرّباعي السّريع الذي يترنح تحته جسد تلك الحسناء الفاتنة ويلتوي من شدّة وقعه، الذي يزلزل أركان الحجرة لتنتشي روحها المطعونة. وفي التّوقيت نفسه في مضرب آخر، ببساتين الموت، يدنو الصديقان؛ حميد أخوها المدلّل وآكلي خطيبها المنتظر إلى النّهاية، وأيّ نهاية أكثر مأسويّة ورعبا من قطع الرّؤوس، وهو ذات الحكم الصّادر في حقهما من أميرهم من داخل المخبأ المجهز، بحجة انحدار حميد من أسرة لها علاقة بالثّورة التحريريّة، وأداء آكلي لواجب الخدمة الوطنيّة، والأخطر من هذا كونه فنّانا يفسد فطرة الشّباب المسلم في نظرهم. أغمي على حميد عندما فهم من نظرات وغمزات الإرهابيين الذين يفوق عددهم العشرة أنّ مصيرهما الذّبح كالشّياه، أقدم إرهابيّون باللّباس الأفغاني، مدجّجين بالسّيوف والرّشاشات، وسحباه إلى جذع شجرة البرتقال وهو مازال في غيبوبة، أخذ أحدهم قارورة الماء وأفرغها على رأسه، و حين استفاق وجد نفسه مكتوف اليدين والرّجلين، وضعوا قطعة قماش في فمّه، أمسكه أحدهم من شعره وجذب رأسه بقوة إلى الخلف وقام الثّاني بجزّ رقبته من الوريد إلى الوريد أمام مرأى من صديقه آكلي الذي شهده يتخبط في دمائه ويلفظ أنفاسه الأخيرة ! تأثّر أيّما تأثّر، وأوشك أن يقع على الأرض مغميا عليه،و فجأة انتشرت في كيانه قوّة نفسيّة عالية تذكّر روح الجنديّة في ساحة الوغى، وقيمة البطولة. وعندما تحقّق نهائيّا من أنّه بعد لحظات سيعرف مصير صديقه لا محالة، قرّر أن يفعل شيئا ولا يستسلم لهؤلاء الحثالة. سأله الدّموي الذي ذبح صديقه حميد مستهزئا:
- بأيّ يد كنت تعزف القيثارة؟
- بالشِّمال!
- أتريدُ أن تخطب فتاة؟
أجابه بلهجة صارمة، لا يشوبها خوف.
- بالتّأكيد!
- يبدو أنك متشدّق أيها الفنّان.
- أنقدّم لك شربة ماء، ليقوى قلبك على ضخ دمك لنسقي به هذه الشّجرة؟
- أطلب منكم شيئا؟
نظر إليه الدّمويّ مندهشا، كان يتوقّع أن يطلب العفو عنه، أو أن يختار وسيلة إعدامه؛ فالمحكوم عليهم بالإعدام يطلبون-غالبا- تنفيذ الحكم عليهم رميا بالرّصاص، أو يطلب الانضمام إليهم كونه مؤهلا قد أدّى الخدمة العسكريّة.
- هيّا تفضل، لا تضيع الوقت.
-أريد أن أغنّي.
صعق الدّموي بهذا الطّلب، فردّ عليه:
- أحقا تودّ الغناء!؟
- نعم أريد أن تمنحوا لي فرصة لأغني.
خلّط الأمور على الإرهابيين، من أيّ طينة هذا الرّجل ؟ وأيّ شجاعة يملكها؟ إنّها أعظم وسيلة تجابه بها عدوّك، عندما تشعرهم بالصّمود وبقوة روحك، وتحسّسهم بدناءتهم وجبنهم، على طريقة العربي بن مهيدي وأحمد زبانا وغيرهم، أن تستقبل لحظاتك الأخيرة بالغناء شيء يفوق كلّ معقول وكلّ الأعراف، سلاح يحطّم معنويات الخصم عن آخرها، ويبقى سلوكا فريدا وموقفا بطوليا يعشّش بذاكرتهم مدى الحياة.
طلب منه الإرهابيّ العبوس، ذو اللّحية السّوداء المجعدة بلا نظام، أن يغنّي للمرّة الأخيرة في حياته. على مقام الصّبا الحزين الذي يدمي القلوب، أدّى موّالا بكلمات جدّ معبرة وبثبات مفارق أطلق عليهم بصوته وابلا من الكلمات الرّوحانية:
لا إله إلّا الله، لا إله إلّا الله
لا إله إلّا الله، محمد رسول الله
لا إله إلّا الله، لا إله إلا الله
لا إله إلّا الله، كلّنا نموت ويبقى وجه الله
كلّنا نغادر هذه الدّنيا، لا نحمل معنا
إلّا شبرا من الكفن دوّنت عليه أفعالنا.
كلمات جعلتهم مذلولين في أنفسهم، طأطأوا رؤوسهم إلى الأرض متحسّرين، أمّا هو فشعر في قرارة نفسه بنهاية سعيدة، تذكّر في هذه اللّحظات أنّه لم يقتل "بوساسة".
لمّا سمع الأمير كلّ شيء خرج من جحره القريب ولاحظ الإحباط الشّديد الذي أصاب جماعته، أمرهم بفكّ وثاقه، وطلب منه وضع خاتميْ الخطوبة في بنصره الأيمن،و وضع القطعة الثّانية منه في الصّغرى ! نفّذ ما طُلب منه، أمر بقطع يده وهو يشاهد، نفذوا الأمر بالسّيف وهو ينظر إلى يده قطعة لحميّة منفصلة عنه تتحرك! نزف لدقائقَ فأغمي عليه، وعمد الإرهابي الآخر إلى قطع يده الشّمالِ التي يعزف بها وضحك وهو يخاطبه:
-هكذا لا تعزف القيثارة إلى الأبد!
أخذوا اليد اليمنى المقطوعة الحاملة لخاتم الخطوبة، وضعوه داخل الكيس ثم انصرفوا وتركوه ينزف حتّى الموت! أمر أحد زبانيته أن يضعهما في جرّار المزرعة لِيُرمَى بهما في البئر المهجورة البعيدة عن المزرعة.
عند العصر تبخّرت كلّ الآمال، طلبت سهى المذعورة من أمّها أن تتصل بأخيها الحوّاس للسؤال عنهما، هرعت الأمّ إلى زوجها وألحّت على الاتّصال بالحوّاس حالا ليبحث عنهما، طلبه في العمل وردّ عليه فأخبره بأنّ حميد خرج هذا الصّباح مع آكلي وذهبا إلى بوفاريك ولم يعودا إلى الآن، استنفر كلّ الجهات المعنيّة بالعاصمة وببوفاريك، فبدأت التحرّيات إلى آخر اللّيل، لكن الأمن بمعية الدّرك والجيش لم يعثروا على أيّ شيء، ولم يتلقّوا أيّ تبليغ لحدّ السّاعة. لم تنم العائلة طيلة تلك اللّيلة، فرجّحت المصالح الأمنيّة أنّ الأمر يتعلّق بعملية اختطاف نفّذت على الطّريق الوطنيّ رقم واحد. في الصّباح خرجت لتعود إلى محلّ المجوهراتي بديدوش مراد لتستفسر عنهما عند حسين الصّائغ الذي بعثهما إلى محلّه ببوفاريك، لعلّه يعلم شيئا عنهما. و عندما همّت بالخروج وقع بصرها على كيس أسودَ مشبوه على عتبة الباب، ظنّت أنّه كيس قمامة، رفعته من الأرض لترميه بعيدا داخل القمامة، فشعرت بثقله رغم صغر حجم ما بداخله، تريّثت وانحنت إلى الأرض وفتحته بهدوء ظهرت لها يد مقطوعة مزرقّة وملطّخة بالدّماء، بأصابعها خاتمين وبعد ثانية برز وشم آكلى على ظهر يده المقطوعة، أدركت حالا أنّ خطيبها في عداد الموْتى! اضطرب صوتها، عجزت عن الصّراخ بقيت منتصبة لحوالي دقيقة لم تستوعب الكارثة، سقطت مُغْمًى عليها، جرى إليها الجيران والمارّة، ونزل أبوها عندما سمع الصّراخ و الحركة أمام البناية..في هذه الأثناء، التحقت سيّارة الإسعاف التّابعة للحماية المدنيّة فنقلتها إلى المستشفى، أدخلت مصلحة العناية المركّزة بمصطفى باشا ولم تستفق إلّا بعد خمسة أشهر كاملة، بعدها حوّلت إلى مستشفى الأمراض العقليّة بالبليدة؛ لأنّها أصيبت بانهيار عصبيّ حادّ؛ نوع من المرض يصيب المشاعر، نتيجة فقدانها لأخيها وخطيبها المستقبليّ.
انسجمت سهى مع نفسها ومحيطها؛ استطاعت أن تراوغ وتخاطر وتناور في هذا العالم المتشظّي والمتلوّن، بأسلوب لم تدرسه في كلّية من الكلّيات، أو في مدرسة من مدارس إعداد الذّات والبرمجة العصبيّة، إنّه أسلوب أنثويّ، غريزيّ، طبيعيّ، ومثاليّ جدّا. جذّابة هي بما فيه الكفاية، لا تفارق البسمة محيّاها، دقيقة الملاحظة، لا تؤاخذ النّاس على تجاوزاتهم، متضامنة مع الجميع، إنسانيّة بأتّم معنى الكلمة، وأكثر من هذا أنّها رهيفة الإحساس والمشاعر.
كانت الحياة الجامعيّة فرصة ثمينة، إذ جمعها القدر بابن قريتها المتيّم بها آكلي، كانا يلتقيان باستمرار في فضاءات الجامعة، وزواياها الموبوءة بعدوى الحبّ. هذا من أجل الحديث، أو تناول قهوة، ومرطّبات، أو لقضاء بعض الحاجات المتعلقة بالدّراسة، كاستعارة الكتب من المكتبة وإنجاز البحوث وطبعها، يتمّ كلّ هذا بنكهة الحبّ، كثيرا ما كانا يقصدان المكتبة الوطنيّة لاستعارة الكتب أو سماع المحاضرات التي تلقى بشكل مكثّف بهذا المعلم الرّاقي، القريب من حديقة التّجارب، كانا يزورانها بانتظام هي المتنفّس الوحيد الذي يجدان فيه راحتهما العاطفية.
في اليوم الأوّل الذي غامرا فيه ودخلا الحديقة، ولد الحبّ من جديد، لم تكن تضاريس جسديهما مجهولة بالنّسبة إليهما فاتصالهما الجسديّ يعود إلى أيّام الطّفولة المتأخّرة البعيدة، لكنّ سعة المكان وجماله بأشجاره الباسقة، وأزهاره التي تسرّ النّاظرين، وممراته الضّيقة المظلّلة بالأشجار، ونافورته المستديرة المحاطة بكلّ أنواع الورود، جعلهما يشعران أنّهما يلتقيان لأوّل مرّة في حياتهما. على مقعد خشبّي بنيّ اللّون، ناعم الملمس، يليق بجلالة الأرداف التي تكرّمت طوعا للجلوس فوقه، ليقص عليهما نوادر العاشقين، العابرين. جلسا جنبا إلى جنب، يسترجعان ذكريات لا تنسى، نسجاها على ضفاف الوديان وجذوع أشجار الزّيتون المعمّرة، وخلف قاعات الدّراسة، وينابيع المياه المتدفّقة، وفي ليالي الأعراس.
أحضر آكلي معه قطعتين من المرطّبات وقطعة من الشكولاطة، وحين مرّت فترة وجيزة على جلوسهما شعر بحاجة إلى تناول شيء ممّا اقتناه سألها متهكما، بينما هي وضعت رأسها على كتفه في منظر رومانسيّ جميل:
- سهى، بلغني أنّك لا تحبّين الشكولاطة، هل هذا صحيح؟
ضحكت وضربته على كتفه كالعادة.
- من أخبرك بهذا، لابد أن أرفع ضدّه دعوى قضائيّة حالا؟
- أنتِ بالطبع !
- أنت مدّعٍ يا وغد.
انتابته نوبة من الضّحك، ما جعله يغيّر من وضعية جلوسه وقال لها:
- دافعي عن نفسك إذا كانت هذه تهمة.
- لا دفاع ولا هم يحزنون، أخرج الآن إلى باب الحديقة وأشتري من المحلّ ما اشتهيت منها. وأحرمك من طعمه !
- ولكن أعتقد أنّ المحلّ لا تتوفر فيه الشكولاطة البيضاء.
- أبالعاصمة كلِّها لا توجد الشكولاطة البيضاء!؟
أحسّ آكلي أنّها بدأت تشعر باليأس، أضاف إلى حديثها:
- نعم، بالجزائر البيضاء، لا توجد الشكولاطة البيضاء، إنّها مفارقة.
- تبّا لكَ!
عاودته نوبة الضّحك الجنوني وهي تهوي عليه بلكمات أنثويّة يحسد عليها.
- توقّفي يا شريرة، كلّ أفعالك تؤكّد أنّك متورّطة ومتهمة بكرهها.
في هذا الجوّ البهيج، المليء بالحبّ والأحاسيس اللّطيفة، أدخل آكلي يده في الكيس، وتحسّس علبة الشكولاطة البيضاء، التي أحضرها خصيصا لحبيبته المولعة بها وطلب منها أن تغمض عينيها، وتفتح فمها ففعلت، وضع مقدمة قطعة الشّكولاطة بين أسنانها الجميلة، وطلب منها ثانية أن تفتح عينيها، قضمت قطعة الشّكولاطة، وفتحت عينيها موازاة مع ذلك ثم سحبت من فمّها الجزء المتبقي وتأملته، وإذا بها تتفاجأ بقطعة شكولاطة بيضاء، اختزلت حلاوتها وهي تذوب بسرعة على لسانها، ومنظر لونها الحليبيّ كلّ مشاعر الحبّ، فكانت رسالة قويّة لا يمكن أن تحتمل أيّ تأويل آخر غير حقيقتها الماثلة أمام حواسها الخمس. سمعت صوت الخرخشة بالكيس، وذاقت حلاوتها السّحريّة، وشمّت رائحتها الزّكية بنكهة جوز الهند، وأمسكتها بين أصابعها الطّويلة المكتنزة قليلا، وأبصرتها بعينها المجردة ! أمام هذا المشهد الذي استكمل كلّ شروط جلسة العشّاق، صوّبت سهى نظراتها مباشرة إلى عيني حبيبها لبضع ثوان أفرغت من خلالها خطابا بصريّا هائلا مشحونا بعواطف جارفة وأحاسيس نادرة يستحيل تعييرها بأيّ جهاز مهما كانت دقّته. نبست في أذنه اليمنى:
- أحبّك آكلي!
جملة لم تطلقها كما تطلق على بياض الورقة بلون الكفن، ولم تطلقها خارج سياقها العشقيّ، بل لفّتها برائحة فمّها المثيرة، وبصوت خافت مبحوح، يحيلنا إلى حشرجة المحتضر المقبل على الموت بعد لحظات، أفقدت هذه العبارة آكلي كلّ معالم المكان والزّمان، وذهب في شبه غيبوبة، سحبته من قبضة الأبعاد؛ فلا طول، ولا عرض، ولا عمق، وخلخلت في ذهنه الشّعور بآنّات الزّمن، لا ماض، ولا حاضر، ولا مستقبل ! قطعت سهى المسافة الفاصلة بين أذن وشفتي عشيقها المصروع، جرّاء عنف الصّوت وقوّة العبارة بهدوء تّام. مدّت مقدمة لسانها المسمومة بالحلاوة واللّذة، طعنت بها شفَةَ حبيبها العلويّة، معلنة بداية حرب مجهولة النّتائج، حرب بلا عداوة، حرب على الانفصال المتأصّل في علاقات البشر.
مدّ آكلي المسموم بالحبّ يده اليسرى، وجعلها على رقبة سهى وجذبها إليه لاحتوائها، وراح يمرّر لسانه برفق على شفتيها المكتنزتين، ويطليهما بريقه المسكر، بل يلعق قطرات العسل السائلة على سطحهما، ويفرك بيده اليمنى خصيرتها ووركها. بدأ جسمها يتلوّى مفصحا عن شدّة اللّذة، فكان ردّها أن فتحت فمّها، وجعلت خصمها يدخل مقدمة لسانه بين شفتيها لتمصها متلذّذة، وبعد ثوان تجذبه كاملا إلى الدّاخل فينفرج فَمُ ّغريمها بشدّة، ويتبادلان الأدوار في تناغم جميل. انزلقت يد آكلي من رقبتها إلى صدرها، فأخذ يفتح أزرار قميصها الأبيض، متحسّسا رباط صدريتها السّوداء وفي غاية الخفة والعناية، أدخل أصابعه في شقّ نهديها المتوسطين البارزين، مفركا ثديها الأيمن فبرزت الحلمة بشدّة، فأمسكها بين أصابعه يداعبها بلطف حدّثته قائلة:
- توقّف أشعر بالدوار!
ابتعد عنها قليلا وعدّل من جلسته. لحظة فقط حضر حارس من حرّاس الحديقة طالبا منهما احترام الطّابع العائليّ للحديقة. أكملا تناول الحلويات في جوّ بهيج، رغم شطحة الحارس السّخيفة. غادر كلاهما المكان تاركيْن ذاك المقعد الخشبيّ، الشّاهد، الصّادق ينتشي من ذلك المشهد الرّومانتيكيّ العظيم .


إرسال تعليق