أيمن العتوم ليس مجرد كاتب,ولكنه تجربة واقعية حية حتّى وإن كنت تختلف معه لأن طبيعة الحياة هى الاختلاف,وهذا لا ينفى شدة إعجابى بقلمه وإبداعه وشعورى بالارتواء، وأنا أقرأ له ؛لأن كلماته عذبه,وصفه لِمَا يراه كأن عينيه عدسة كاميرا مصورة وواصفة للمشهد بكلِّ دقة,حتّى في وصف المشاعر دقيق حي الوجدان وخصب الخيال . من يقرأ له لأبد أن يدقق النظر جيدًا في كمية المعلومات المُنبعثة من قلمه؛ليقرأ ويتأكد من المعلومات التى بين يديه.
تجربة العتوم كتبت وأنا مازلتُ فى مرحلة الليسانس لكلية الآداب تحديدًا فى السنة الثانية 8/11/2011 ميلادي,وتجربته فى السجن كنتُ وقتها بعمر أربع سنوات لكنه جعلنى أعيش معه التجربة الآن التى لم استوعبها ولا أعرفها لكنه أخبرني وأخبر الجميع عنها بكل دقة وأمانة فى نقل ما راه دون نقص أو زيادة,
ولا فى محاولة خبيثة منه لتصدير رؤية وفلسفة خاصة تحمل أفكارا مدسوسة بين ثنايا الكلمات هو يكتب من أجل عشق الكتابة,ويصف لحبِّ الوصف . وبما أن تجربة السجن هاجس من الهواجس البشرية القاتلة حين يحبس الإنسان، فيشعر أنه تجرد من كل شئ إلا أنى شعرت أن ينابيع الخيال تفجرت عند العتوم عندما حُبس عام 1996 بعد إلقائه قصيدة في نقابة الأطباء فى منطقة "عجلون" وصفها كالتالي :" عجلون التي ترتفع في سماء التّاريخ شامخة , هى أمّ بارة بأبنائها وأنا أحد أبنائها ..
دعتنى ذات مساء إلى قلعتها وحين تدعوك أم مثلها,فلايمكن أن تتأخر أو تتذرّع بالأعذار الواهية.." أمّا عن تجربة الفقد والحزن :" الحزن له أنياب حادّة كالسكين ,لا تنهش ولكنّها تجسّد معنى الألم وهي تغوص عميقًا في جسد الذّاكرة" .
أمّا عن وصف المكان الضيق الذى جعل منه مكانا واسعا يعبق بالذكريات والوصف,فألم الشعور جعله يصنع قنابل الشعر المُفخخة ليخرج لنّا تجربة روائية حية في قصيدة "نبوءات الجائعين" يصف المكان بدقة يجعلك بمحاذأته في الأحداث داخل فضاء المكان قلما وجدت عند كاتب ملكة الوصف:" مضت اللّقم تهبط في الحلاقيم ومضت الأفواه تنطق بالمفاهيم وبدأنا حفلة التعارف الأولي كنا كأصحاب الكهف جمع بيننا سوطُ السلطة فأوينا من لسعاته إلى هذا الكهف لنبدأ حكايةً بينة لا يتنازع أمرها بيننا أحد" وصف المهجع والغرف المغلقة الانفرادية وكتب التفسير التى لم يتوافر غيرها للمعتقلين :" نظرة أخرى إلى السجن تريك عالمه الفسيح قاطع الإدارة الذى يحتل يمين البوابة يبدو الأصغر حجمًا إذ ماحاجة إدارة السجن إلى عدد يساوى عدد النزلاء ليضبطهم !!
" وصف مكتبة السجن التى شعرت بوجودى معه كمعتقلة وهو يحدق فى رفوف الكتب لبحثه عن ديوان المتنبى رُحت أحدق النظر لأبحث معه عن الديوان :" كانت مكتبة السجن فوق مانرجوا وقريبا مما نطمع كانت فيها بعض الكتب التى لهثنا ونحن خارج السجن نطاردها لنمسك بها وهى تتأبى علينا" يأتى السؤال:ماذا تعلم العتوم من تجربة السجن ؟
علمه السجن معنى الحرية ونعمة الحياة ..والتركيز والتعرف على جميع الشخصيات دون إقصاء لأحد ليكتب عن صدق لا لينسج بقلمه عن الهوى :" كنت مازلتُ حتى تلك اللحظة أتعلم في السجن أبجدية الحياة ."السجن علّمنا الحياة" هجستُ بهذه العبارة غير مرة كانت هذه الرفقة مجتمعى الصغير..
ومنه انطلقت إلى إثراء تجربتي ,كنت حريصًا إلى أبعد حدّ أن أتعلم كيف أبدو تلميذًا نجيبًا في مدرسة الكون ما أصغر الكون حين يصغي إلى وقع الروح ". جعلنا نتعرف على شخصيات السجن "عكرمة " القارئ السجين المُطلع .."ليث" البرلمانى الذى خرج بعفو ملكي .
ولا أخفى عنكم السر بمدى شوقي لمعرفة فكر أصحاب الجماعات الإسلامية لكن من خلال فكر ينقل بصورة سليمة,ويضعه في قالب يستحق القراءة,عرف وعرفنا العتوم عن قرب الأيديولوجية السلفية الجهادية وفكرهم التكفيرى و" بيعة الإمام " أو ما تسمى جماعة التوحيد للأفعان الأردنيين الذين لهم فكر تكفيري لا يمتثلون لحاكم ولا لقانون ويعدون الحاكم أمير الجماعة وإن المشرع هو القرآن فقط لا غير :".
ولأن الدولة تسميه المجلس التشريعي الذى يشرع القوانين وهم يقولون إن المشرع الوحيد هو الله,ولا أحد غيره وأنّ الإسلام مكتمل فلا يحتاج إلى من يشرع له ما ينقصه أليس الله قد قال :
" الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا [المائدة:3] " عرفنا على " أبو مصعب الزرقاوي ,,, وهو كان عضوًا فى تنظيم القاعدة فى العراق واسمه الحقيقى أحمد فضل نزال الخلايلة .. صوره لنّا وجعلنا نتخيله من خلال خطوات أقدامه.
وحركات جسده وتقاسيم وجهه .. وجعلنا نجلس بجواره وهو مُقرفص على رجليه ليدون فى عقله وقلبه ملامحهم ليرسمهم وهو بمعزل عنهم؛ لأنه ليس راضيا عن تكفيرهم وتفكيرهم .
عرفنا أيضًا على محمد المقدسي هو أردنى من أصل فلسطينى يعتبر من أبرز منظري تيار السلفية الجهادية اسمه الحقيقى عصام طاهر البرقاوى ..الذى حاول مرارُا وتكرارًا التقرب له ليضمه للجماعة لكنّه بفكره كان أقل من استيعاب الوعى الكامن داخل العتوم؛ لأنه كاتب إنساني لا ينتمى لأحد بل ينتمى إليه (وهذا من وجهة نظرى المتواضعة أمام كاتب تجربة حية) . وفى فصل " وما منا إلا له مقام معلوم " عرفنا.
على شخصية (عطا) وتفسيره القرأن ونقاشاته فى دروس التفسير خصوصا في قول تعالي:" والراسخون في العلم يقولون آمنا" وإشكالية (واو العطف) أم واو الاستئناف .
ومرة أخرى أخذنا لشخصية "محمد " وحادثة تفجير باص سياح يهودي بعد معاهدة (وادى عربة) والفكرة المتأصلة فى نفوس الشباب وواقع الحكومات العربية . أمّا عن حادثة الخبز التى كانت تضم مجموعة من الثوار وكمية الأفكار والأحداث التى ذكرها العتوم ذكرتنى بحادثة الخبر أو "ثورة الغلاء" فى عهد الشهيد الرئيس محمد أنور السادات عام 1977 لشهر يناير كانت من أهم الثورات التى اندلعت فى عهد الرئيس الراحل؛ضدّ رفع الأسعار فجأة تذكر حديث والدى عنها وايقنتُ بقرب المنطقة العربية من بعضها وبحركة التاريخ المتكررة ,وكأنها حادثة فلكية المُغاير فقط وجوه الزعماء والحكومات وطبيعة المكان فالحادثة وقعت فى الأردن عام 1996 على ما أذكر من خلال ما قرأته فى الرواية :" الزنازين أوطان المعتقلين ..الزنزانة أنثى إذا عاندْتها عاندتك وإذا توددت إليها توددت إليك " .
أمّا عن تجربة الحبّ فكم أنت عفيف وشاعر مذبوح القلب كمّا وصفت نفسك !! تألمت وأحببتُ ما كتبته ووصفته؛ لأنك راقى المشاعر قريبة كلماتك من القلب " وحدي أراها لأنّ الحب وحده قادرٌ على أن يجعل العميان مُبصرين، ولم يكن أحدٌ عاشقًا بمثل مستوى عشقي " ونحن القراء نحمل إليك ألف وردة ونعطيها لك بكل فخر؛ لأنك كاتب التجربة الحية ,,عشتُ مع الكتاب تجربة السجن وشعرت أننى سجينة سياسية " ياصاحبي السجن " ولا أشك بأن كل قارئ شعر نفس شعورى ..أنت وصاف رائع وكاتب إنساني يكتب للجميع التجارب الحقيقة بدون تزيف وبذائقة كتابية تجذبك إلى عالم كتاباته .
أنا أشكر تجربة السجن التى عزلتك عن الحياة لمدة ثمانية أشهر لأنك انتجت عمل يستحق القراءة مكون من 344 صفحة وجبة دسمة بالمعلومات وشهية وتشعر القارئ بالشبع : "ولكن ما الذى يحجزنا هنا...؟؟ أسلاك أسوار !! فهل يمكن اعتلاء هذه الأسوار وقطع تلك الأسلاك ثم الهرب باتجاه الحرية المُطلقة ؟! ربما ...لا... نعم... فى النهاية تبدو نعم كبيرة هعملاقة بجانب اللاءات والتشكيكات السّابقة ..." شكرًا دكتور أيمن العتوم ....



إرسال تعليق