تابع الموقع وحمل التطبيق وسجل الاعجاب بصفحة الفيسبوك
الباحثة بريهان احمد 

تعد رواية "الجيل الثالث " التى صدرت فى معرض القاهرة الدولي للكتاب عام 2020 من التجارب الحديثة في حقل الرواية العربية وأضف إلى ذلك تحديدًا كلمة "المصرية"؛ لأنها رواية استغرق في كتابتها ثلاث سنوات,وتستحق القراءة البحثية لِمَا فيها من ضخامة المعلومات الكونية والتاريخية الخاصة بالبدائية الحياتية للإنسان,ومراحل تطور حضارات الشرق الأوسط,وهى مقسمة إلى تمهيد يجذب القارئ للاستكمال واعتمدت بصورة مُبهرة على الجذب التشويقي من خلال الاعتماد على "الفرضيات العلمية – وبما يسمى :أسفار البدايات" ليكتب في بدايته أى التمهيد :"في مستقبلٍ بعيد أو ماضٍ قريب.. " .

كلها تساؤلات تجعل القارئ متشوق ومتذبذب :-هل أنا في الحاضر ؟ ما الذى سيحدث ؟ ثُمَّ يأخذنا علاِّم إلى " قصة اللوح المفقود" التى تضعنا في تساؤل أخر:هل يقصد الكاتب اللوح المحفوظ ..؟! هل يتلاعب بالمعاني والألفاظ ليجعلنا نقرأ العمل على أساس التشفير ؟ للوهلة الأولي نظن ذلك,لكن الكاتب بارع في الوصف,وفي اشعال روح المبارزة بين القارئ والنص ...أمَّا عن لغة الوصف لصحراء العراق كانت قوية في التمهيد بصورة لا توصف :" الغيوم لا تنقشع ..ضباب كثيف لا ترى من خلاله أفقًا ..كثيق كزئبقٍ شفاف,لا قوام له ولا شكل .. له رائحة الموت ذاته ..كأنما الهوء ذاته قد احترق,وترك بقاياه تتناقلها الأنسام" .

أمَّا في الفصل الثانى ( إدوار تاسك ) العالم الفيزيائي لنظرية الكيمياء الحيوية وأقصد الشخصية التى خلقها الكاتب من وحى خياله ,مع العلم إن كل الفرضيات التّى وضعت والنظريات والأحداث التاريخية حقيقة وذلك في بعض المواضع,جعلنا الكاتب في الحاضر نُعايش "جون لايدر " الباحث الأثرى بريطاني الأصل امريكى الجنسية,وقصة دعم مجموعة خفية له للبحث عن إزميل فى صحراء العراق ,أمّا عن شخصية "رشيد" الشاب العربي وحماية قبيلته للصحراء ؛لأن بها أسرار خفيّة أسطورية تعود للعهد السومري,يُريد أن يبحث عنها حتّى لو تعاون مع عدوه الأميركي في البحث وهذا مايسمى "نظرية التسوية .

"جون لايدر " كان يبحث عن حضارة لم تنل التقدير من شعوبها رغم أن الكلمة تعنى فى مضمونها كل مانجح الإنسان في إنتاجه ماديًا وعقليًا نتيجة لتفاعل الجماعة مع البيئة التى تعيش فيها..التعريف الذى ذكرته معروف لكل قارئ مهتم بمثل هذه الأعمال؛لأنها ببساطة تعجل القارئ يفكر فى كل التطورات العلمية وعلاقتها بالحضارات,ومن وجهة نظرى لاحظتُ أن الكاتب المصرى "محمود علام " تفوق على كُتَّاب المستقبل العلمي؛لا لأنه اعتمد في الفصل على ما يسمى بــ"الأساطير" التى ظهرت فى عهد السومريين لكنه ببساطة جعلنى اشعر أن معلوماته التاريخية فياضة ودمج بين التاريخ والكبسولات العلمية,وكتابة الحاضر وقلما حدث ذلك ,,فأما أن يكتب الكاتب في المستقبل وحده دون الأشارة للماضى أو يكتب عن الماضى بالأشارة البسيطة عن المستقبل رغم ذلك دمجت الرواية بين كل ما ذكرته باسلوب بسيط ومشوق,ولغة وصف عالية كأن الكاتب عاش المجتمع العراقي,أمَّا عن اللغة العربية سليمة تخلو من الأخطاء :

" أسطورة المقبرة المفقودة هي سر تتوارثه قبيلتنا منذ أجيال .. منذ ما قبل الحرب ,وقبل العمران ... وقبل أن يكتشف هؤلاء العلماء الألمان تلك الألواح الحجرية في باسطكي.. كنا نحن نعرف القصة ونتناقلها بيننا لزمنٍ طويل .."هى طريقة وصفية تجعل القارئ النهم ,,الحق يبحث عما يستقبله عقله خلال الرواية ... أما عن أسطورة شموئيل الملاك الغريب في الحضارة السومرية,أظن الأصح "الأساطير الدينية" هو لم يكن ملاك ولكنه أحد الآلهة ويلقب " أيا" وقصته مع الطوفان إله مشهور بحبه للبشر حتّى جاء رجل من الصالحين ارسلته الآلهة إليه,ليصنع سفينة تُخفي معالم حضارته وزمانه,كاد أن يفعل ذلك وبالفعل عقد الصفقة "أيا" مع الرجل الصالح وأغرق الطوفان الأرض وما عليها ونجت السفينة,وتعددت الأقوال والأساطير أكان "شموئيل " أم " أيا" لكن على كل الأحوال محمود علام دمج الأسطورة مع السرد المكثف المُحمل بكل افكاره وقناعاته بطريقة أكثر من رائعة,تدل على ثقل الموهبة وحصيلة انتاجه المعرفي الذى تحول مع الوقت إلى طريقة اسلوب خاصة تميزه عن غيره وقارئ روايته الأولي "كتاب الشمس " سيلاحظ ذلك.

 أمَّا عن الفصل الثانى:شعرتُ أنه مجموعة مكثفة من أفلام الخيال العلمي الممتعة والصورة التصويرية للمشاهد تجعلنا نتعايش ونرى المشهد بطريقة الاستنارة؛بسبب بلاغة الوصف والسرد عند محمود علاَّم الزمن المستقبلى كان لعام 2072 هى نفس التوقعات التى شاهدته في الأفلام التى تحدثت عن الثقب الأسود ورؤية المستقبل,وثورة التغيير السياسي التكنولوجي الكامل وبكل تأكيد الفصل عبارة عن حلقة وصل ممتدة لما جاء في الفصل الأول معلومات حضارية وأساطير دينية تم دمجها مع الرؤية المستقبلية وعملية تخليق المخ البشرى " فإننا بمجرد وجودنا في هذا الكون الكبير ,قد أصبحنا مشاركين في تطور الكون ذاته منذ بدايته ..بمعنى أننا نعيش في كون تشارُكى .." وفي نقلة أخرى يقدم لنّا علام معلومة تقسيم العالم " كما يقول هؤلاء المسلمون الذين تعج بهم مؤسسة يعقوب الاتحادية في الشرق الأوسط " والقوى العليا كانت تتمثل عنده في مؤسسة"جينيسيس" يمثل نفس حبكة الفنية لفيلم "مُختلفون" (Divergent). الذى يتوقع تقسيم الأصناف البشرية إلى مجموعات مفيدة للكوكب الأرض كل منها قوانينه الخاصة، حيث يخضع فيها كل من يتم الـ16 من عمره لاختبارات خاصة تحدد إلى أي من هذه الجماعات سوف يقضي بقية عمره. تدخل باتريس ا لبطلة إلى فصيلة تسمى "الشُّجعان"، ولكن بعد ذلك تعلم أنها مُختَلِفَة عن بقية فصائل، لها جماعة غير مُحدَّدة يُطلق على أفرادها "مُختلفون"... وهى نظرية فكرية منفصلة بذاتها ,وهى مجموعة أبحاث توقعتها مجموعة من العلماء المنضمين لوكالة "ناسا" أما عن شعور البطل "إدوار تاسك" الذى تحدى السلطة الأبوية هو ما يعطى مورفولوجية للشخصية لوصف سلوكيات الإنسان :

" "منظره وهو يتبول علي شاهد قبر أبيه،تحت الغيوم والضباب،والسماء التي بدأت في الإظلام التداكين،كان فريدًا غريبًا وأيقونيا .. يزعج خيال من يراه وينحفر في ذاكرته،وربما زارها كابوسًا بلا نهاية .."

هناك أيضا وظيفة فلسفية للراوى كان علام مدركًا لها :" بلغة العلم .. كونك تقول إنك تدرس نطاقًا واحدًا من الواقع ، لايعني منطقيًّا أنه ليست هناك مجالات وأبعاد أخرى لذلك الواقع الأعظم لا نراها أو نعرفها ... بعبارةٍ أخري ، العلم والمنطق العلمي الفاسد هو أن تفترض أن مشاهدتك وملاحظاتك فقط هي التي يمكن أن توجد، وأنه لا يمكن لأي فرضيات أو مشاهدات أخرى أن توجد ، لأنك لم تلحظها .. هذا ليس منطقًا علميًّا بل هو ضيق أفق" ...إضافة إلى ذلك مجموعة الرمزية لعملية التخليق التى أخذتنا خارج سياق درب مشابه من المدار المغلق للفكر لتجعل القارئ المستنير يفكر خارج حدود المعتاد "التصنيع- التخليق" ليتحدث عن العدم المكان المظلم ومن الممكن أن يكون غير مظلم ,,هى فلسفة من الكاتب رغم تعديه الخط الأحمر الا أنه نجح في كسره للتابوهات الثلاثة .

كمّا أن الكاتب لديه طريقة رمزية للحديث عن السياسة وتخاذل الأنظمة العربية عن التقدم العلمى والإجتهاد من أجل الاهتمام بالعلم والبحث العلمى,وضح وفرق بين العرب والغرب والصراع الفكرى  بصورةٍ تستحق النظر إليها بعين الاعتبار من خلال نظرة جون للشاب العربي"رشيد":

"ظل جون يتطلع إليه في صمتٍ يمتزج باعجابٍ خفي...وشفقة واضحة هذا العبقرى الصغير قوي الشخصية الذى يجلس بجانبه يستحق أن يدرس ويتعلم في أفضل مدارس وجامعات العالم .. يستحق أن يمتلك فرصة حقيقية في الحياة ولكن كل ذنبه أنه وُلد في بلدٍ مدمر ,محتمل اقتصاديًا لأب بدوي لا يفهم أهمية التعليم ولايهتم .." أمَّا عن الفصل الأخير "أسفار النهايات " يكشف عن الحقيقة الكاملة وعن العدميّة وعن الدوائر المفرغة للتاريخ وعن الحركة المتكررة له .. رغم أن الرواية تندرج تحت قائمة الخيال العلمي الا أن الكاتب تفوق على نفسه وعلى كثير من الكُتَّاب الذين كتبوا في هذا الحقل الروائي أنها "صحوة العلم " .

فى النهاية : محمود علام كاتب مصرى تفوق على نفسه وعلى النص الخيالي العلمي,الرواية مشروع علمى تاريخي لكاتب مُثقل بالمعلومات الغزيرة لابد أن نفخر به, بل الرواية تستحق الدراسة الاكاديمية .

أضف إلى ذلك براعته فى الوصف السردى والحبكة وتقنياتها,ولغة الحوار الجذابة التى تعتمد بشكلٍ مبهر على وظائف السارد الفلسفية التى يصدرها بطريقة غير مباشرة للقارئ,والروح الحيّة للشخصيات "إدوارالطموح الجامح -لويس – الأب وثقافته الأبوية التى صورت العقلية الرجعية- الأم الضعيفة – الشاب العربى الذى اغتصب وطنه " وتقسيم البشرية لثالثة أصناف الجيل الأول :نحن البشر ,الجيل الثاني:

الريبورتات ..الجيل الثالث عبارة عن كائنات تشبه الإنسان تتكون من عقل مُخلق . بعد قراءة الرواية تشعر أنك فى رحلة مستقبلية بدأت من صحراء العراق إلى خارج حدود كوكب الأرض .." من أجلِ هذا المكان الذي نقف فيه الآن، خُضنا حروبًا، ونسجنا مؤامراتٍ، وشوهنا التاريخ والحقيقةِ ذاتها ليختفي صنيعنا، ونعود إلى الظلال التي منها نشأنا، وإليها ننتمي.. دولٌ قامت وسقطت، وملوكٌ تولوا وقُتِلوا، وبلادٌ كاملة احتُلَّت وفَنَت تطلعًا إلى السر الأعظم، وبحثًا عنه.. عن الإجابة الكبرى.

من أجل هذه اللحظة، وانتظارًا لها، بدأنا رحلة دامت قرونًا طويلة.. منذ فجر التاريخ، وما قبل المسيح ..."

أضف تعليق

أحدث أقدم