تابع الموقع وحمل التطبيق وسجل الاعجاب بصفحة الفيسبوك
الباحثة بريهان احمد 

تمثل رواية "ساق البامبو" الصدمة النصية لجمهور القراء؛لأنها تكشف المشاكل والعوائق المجتمعية في المنطقة العربية,صحيح أن أحداث الرواية تدور في دولة الكويت,لكن في كل دولة عربية عائلة تسمي "الطاروف" التى تشكل قوانين صغرى مقابل قوانين وضعتها الدول الكبرى.

الرّواية تحكي عن شخصيّة بطلها (هوزيه) باللغة الفلبينية أو (عيسى) الاسم الذى يعنى في الفلبين رقم Isa (1) ويعنى لدى العرب اسم نبى الله,يُولَد في الكويت لأبٍ كويتيّ هو (راشد)، وأمّ فلبّينيّة هي (جوزافين) هي خادمةً في بيتِ سيدها راشد والسيدة الكبيرة "غنيمة " التى تشكل ركام العادات والتقاليد في بيتها الكبير أما عن سيدها أصبح زوجها فيما بعد.

تتزوج جوزافين عرفيّ من راشد تعترف الدولة بهذا الزواج وينكره المجتمع والعائلة ,ينتج عنه إنجابٌ "عيسى " الشخصية التى حملت في باطنها ووعيها جميع قضايا الكاتب الفكرية .

تنقسم الرواية إلى عدة فصول مع بداية كلّ فصل مقولة سهلة تشكل المعيارية ومنبت الخبرة لــ"عيسى" التائه في زحام البحث عن الذات,وفي الحقيقة كلنّا هذا البطل .

 الجزء الأول "لا يوجد مستبدون حيث لا يوجد عبيد " للكاتب الفلبينى خوسيه ريزال لم أكن أعرف عنه إلى أن توصلت بعد بحث طويل على الشبكة العنكبوتية إلى بعض المعلومات " عالم ووطني وروائي فلبيني وكان الشخص الرئيسي الذي ساهم في تأسيس الفلبين أثناء عهد الاستيطان الإسباني.

جاءت الثورة بعد إعدامه .. " ويدل ذلك على دراية السنعوسي بملامح الشخصية التى يكتب عنها وتفاعله معها لأنه أقتراب من معاناة شعبها وثقافتها,فكتب بكلِّ انسيابية عن قناعاتها.

الجزء الثاني "عيسى بعد الميلاد " ان الذي لا يستطيع النظر وراءه إلى المكان الذى جاء منه سوف لن يصل إلى وجهته أبد" ويستفيض الكاتب فى عرض الشخصيات المحيطة بالشخصية المحورية " أى الشخصيات الثانوية" ظهرت فيه شخصة الجدّ "ميندوزا" وحياة الفقر ومقامرته لجنى المال "مقامرة الديوك "وصف الحياة ووضعها بطريقة مُنمقة داخل البناء السردى جعل النص حي وصريح التجسيد؛لأنه وضح القارئ داخل الورقة الروائية منها تحول القارئ إلى "قارئ متخيل " يشعربما يدور في ذهن ووعي الكاتب,بل ويتعايش مع الشخصيات حياة المُكابدة ,مرة أخرى يأخذنا إلى شخصية "آيد" خالة عيسى وتجارة الجسد,ويعرض العُهر المجتمعي وإنجابها لــ"ميرلا" على يد مغتصب أوروبي لا للوطن فقط ولكن للجسد,ومنها نستشعر أن اختلاف البقعة الجغرافيا لا يعنى تباين الأزمات.

ومنها إلى حياة الجد خلال فترة الحرب القادرة على تغير حياة الإنسان,كان التحول منطقيًا بعد ذكر حرب عام 1966 م الفترة التى تحالف فيها جيش الفلبيني آنذاك مع كوريا وتايلاند واستراليا ونيوزلاندا ضد فتنام.

الجزء الثالث سميّتها "رحلة البحث عن الله " رحلة بحث عيسى عن الله ؛ليجده في القلب هو لم يجد دين يمثله نتيجة اهمال الأم لوضع بذرة الإيمان داخله لكنه لا ينكر وجود الله مرددًا مقولة خوزيه ريزال " الشك في الله يعنى الشك في ضمير المرء,وهذا يؤدي إلى الشك في كل شئ" وسمى الكاتب الفصل بــ" عيسى التيه الأول" وهنا يذكرنى الكاتب بالرؤية النقدية لجيروم برنر قائلا:" السيرة الذاتية نطرح فيها ذاتنا وأفعالها وتأملاتها وأفكارها ومكانها في العالم...إن تأملاتي ليست افتراضية تماما" وظهر التأمل على لسان الشخصية خلال رحلة البحث عن القناعة الدينية قائلا :" لكل منا دينه الخاص،نأخذ من الأديان ما نؤمن به ،ونتجاهل ما لاتدركه عقولنا،أو نتظاهر بالإيمان ونمارس طقوسا لا نفهمها خوفا من خسارة شئ نحاول أن نؤمن به.

أمَّا عن الجزء الرابع "عيسى التيه الثاني ..تسلط البعض لا يمكن حدوثه إلا عن طريق جبن الأخرين" رحلة عيسى راشد عيسى الطاروف إلى منزل "الطاروف" وعدم تقبل الأخر لا في الاسم لكن في الشكل أضف إلى ذلك العرق والقبيلية والنبذ والبداية كانت في " مطار الكويت " وهى مرحلة التصنيف :" واحد تلو الأخر يختم الموظف على جوزات سفرهم إلى أن جاء دوري ,دسست كفي في جيب البنطلون وقبل أن أخرج منه الجواز صرخ بي الرجل بطريقة فظة صعقتنى ..أشار بيديه نحو الطابور الآخر حيث يقف الفلبينيون.." .

شخصية "غسان " التى يعرض فيها "قضية التجنيس" وهى قضية زوجات الكويتيين الخليجيات وغير محددات الجنسية ”البدون“ تعد قضية الجنسية في الكويت من أكثر القضايا الشائكة،عرضها الكاتب بطريقة جذابة تمثلت فيها كل ملامح الإنسانية والإيمان بوصفها قضية ظالمة للإنسان ,شخصية غسان هى الشخصية المقابلة لشخصية "عيسى" لأنه مقبول لدى الدولة بالأوراق مرفوض بالنسبة للمجتمع,أمَّا غسان مرفوض بالورق مقبول بالشكل .

 شخصية " هند" عمة عيسى التى تتدافع عن قضية غسان وعيسى وعن حقوق الإنسان,إضافة لذلك دور المرأة في مجتمع الخليج العربي .

ونورية المتسلطة التى تمثل دور الشر المجتمعي والزيف ورفض الأخر المختلف عنها,والاختلاف لدى الكاتب لا يعنى الشكل فقط لكن الدين والشكل والعرق واللون.

أمًّا العمة "عواطف " الإيمان الكاذب المبنى على أرضية مهتزة غير صلبة ويأتى وصف عيسى لرفضهم له قائلا :" حاولت أن أختزل وطني في أشخاص أحبهم فيه ولكن الوطن في داخلهم خذلني..." وفي كل مرة كان ينهزم فيها عيسى وجد اخته "خولة" من أبيه السند والدعم .

 السرد في الرواية قائم علي منطق خطابي ,ونسيج حقيقي ومكثف بالتفاعلات الرمزية منها إلى عنوان " ساق البامبو " اسم الرواية الذى يُشير إلي رحلة البحث في حياة عيسى :" لوكنت مثل نبتة البامبو لا انتماء لها تقتطع جزءًا من ساقها .. نغرسه.

 بلا جذور في أي أرض لا يلبث الساق طويلا حتى تنبت له جذور جديدة تنمو من جديد فى أرض جديدة بلا ماض بلا ذاكرة لا يلتفت إلى اختلاف الناس حول تسميته ..كاوايان في الفلبين وخيرزان في الكويت أو بامبو في أماكن أخرى".

وفى الفصل الخامس يحدث الرفض من عيسى " "حياة ليست مكرسة لهدف،حياة لا طائل من ورائها هي كصخرة مهملة في حقل بدلا من أن تكون جزءا من صرح "منها إلى النهاية العودة إلى الفليبين الوطن المُتقبل لــ "عيسى" :" إن لفظت الديار أجسادنا قلوب الأصدقاء لأرواحنا أوطان" .

اقتباسات عميقة تشكل وعي القارئ :
- " الغياب شكل من أشكال الحضور,يغيب البعض وهم حاضرون في أذهاننا أكثر من وقت حضورهم في حياتنا".

- " تمضى السنون... نكبر وتبقي الأحلام في سنها صغيرة .. ندركها ..نحققها وإذ بنا نكبُرها بأعوامٍ أحلام صغيرة لا تستحق عناء انتظارنا طيلة تلك السنوات .

 العطاء من دون حب لا قيمة له.الأخذ من دون امتنان لا طعم له هذا ما اكتشفته .."
- " كلما شعرت بالحاجة إلي شخص يحدنثي فتحتُ كتابا" .

- " نأتي صدفة من دون نية مسبقة من آبائنا وأمهاتنا أو بنية يلحقها تخطيط وتوقيت .

لو أننا نستحضر من العدم إن كنا حقا هناك قبل أن تُبث أرواحنا في الأجنة في الأرحام ،يعرض أمامنا رجال كثير ونساء نختار من بينهم آباءنا وأمهاتنا وإن لم نجد من يستحقنا ..للعدم نعود .

"رواية "ساق البامبو " حائزة على الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر)عام 2013 لكنّها تستحق جائزة الرواية الإنسانية ...شكرًا لهذه الرحلة الممتعة إلى الفليبين ومنها إلى الكويت .
شكرًا سعود السنعوسي .

أضف تعليق

أحدث أقدم