![]() |
نشرت صفحة بوابة الدفاع المصرية على موقع الفيس بوك أن ( إذا أردت السلام، فاستعد للحرب ) هي مقولة كُتبت باللاتينية المتأخرة ,يعود تاريخها لعصر الإمبراطورية الرومانية الغربية في نهاية القرن الرابع الميلادي كتبها " بوبليوس فلافيوس فيجيتيوس ريناتوس " في دراسته وبحثه الشهير " خلاصة فن الحرب " أو " فيما يتعلق بالمسائل العسكرية "، والذي يتحدث عن المبادئ العسكرية كعرض للأساليب والممارسات والتكتيكات الحربية الرومانية عندما كانت روما في أوج قوتها وتفوقها العسكري.
وقال كاتب المقال ( Mohamed Al-Kenany ) أن بوبليوس شدد في دراسته على : تدريب الجنود كقوة منضبطة - الاستراتيجية المنظمة - الحفاظ على خطوط الإمداد والخدمات اللوجيستيكية ( تنطق لوجيستية بشكل شائع ولكن التسمية الأدق في الابحاث والدراسات العسكرية المتخصصة هي " لوجيستيكي " تمام مثل باليستي وباليستيكي ) - ريادة الجودة واستخدام التكتيكات وكذلك الخداع لضمان التفوق ضد العدو.
( واستكمل قائلا: نترك العصور القديمة، ونقفز إلى عصرنا الحالي، وننظر إلى الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ومعها منطقة القرن الأفريقي ذات الأهمية الاستراتيجية ..
وننظر إلى اقاويل " بنجيب سلاح ليه " - " هو احنا هنحارب مين ؟ " - " اسرائيل عدو ازاي ونحاربها ليه اصلا وفي سلام دافىء معاها ؟ " - " الدول اللي بتهتم بالتعليم والصحة وتنمية الانسان مش بتصرف على السلاح زينا !! "، ومثيلاتها الكثير والكثير، والتي تنم عن جهل او قصر في التفكير وغياب تام للبعدين الجيوسياسي والاستراتيجي ...
( فالدول عزيزي القارىء لا تتسلح -كما يتخيل البعض- لأن الحرب على الأبواب ! بل تتسلح لمنع حدوث الحرب من الأساس او .. للردع وعندما نتحدث عن نظرية الردع ، فعلينا أن نذكر العبقري البروفيسور / توماس شيلينج ، الإقتصادي وأستاذ السياسة الخارجية، الأمن القومي، الاستراتيجية النووية ، والسيطرة على الأسلحة ، بجامعة ميريلاند الأمريكية، والحاصل على جائزة نوبل في العلوم الإقتصادية ( بالتقاسم مع عالم الرياضيات الأمريكي-الإسرائيلي روبرت أومان ) عن دراسته " تعزيز فهمنا في التضارب والتعاون من خلال تحليل نظرية الألعاب ". ونظرية الألعاب هي دراسة لنموذج من النماذج الرياضية للتفاعل الاستراتيجي بين صانعي القرار، للوصول لأفضل الخيارات الممكنة لاتخاذ القرار السليم وسط مجموعة من الظروف والمعطيات للحصول على النتائج المرجوة. ويتم تطبيقها عملياً في علوم السياسة، الإقتصاد، الاجتماع، والعلوم العسكرية.
( اعتبر شيلينج في دراساته عام 1966 ان مفهوم الاستراتيجية العسكرية لم يعد من الممكن تعريفه كعلم النصر العسكري كما كان الحال آنذاك. فبدلا من ذلك، يُقال ان الاستراتيجية العسكرية هي الآن بالتساوي، إن لم يكن أكثر من ذلك، فن الإكراه Coercion، التهديد Intimidation، والردع Deterrence. ويقول شيلينج إن القدرة على إلحاق الأذى بدولة أخرى، تُستخدم الآن كحافز للدول الأخرى لتجنبها، وللتأثير على سلوك دولة أخرى. ولكي تكون قسرياً او رادعا لدولة أخرى، يجب توقع العنف وتجنبه من خلال التكيف وتسوية الخلافات. وبالتالي يمكن تلخيص الأمر في أن استخدام القوة في الإيذاء كقوة مساومة وتفاوض Bargaining Power هو أساس نظرية الردع، وهو الأكثر نجاحا عند الاحتفاظ به كاحتياط.
عندما نطبق على الكلام على أرض الواقع، وخاصة في الحالة المصرية، فسنجد لدينا مجموعة من المعطيات
- مصر ذات موقع جيوسراتيجي حاكم على بحرين واهم ممر ملاحي في العالم وتقع في إقليم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، والذي يعد واحدا من اكثر اقاليم العالم سخونة نتيجة للصراعات القائمة سواء داخل عدد من دوله ( سوريا - العراق - ليبيا - اليمن ) او الصراعات / التوتر / التنافس على ريادة الإقليم بين أهم 5 قوى ( مصر - اسرائيل - تركيا - السعودية - ايران )
- مصر لديها اتفاقية سلام مع إسرائيل، بعد 4 حروب، وهي العدو التقليدي الأول تاريخا وثقافة وعقيدة.
- مصر عانت من النشاط الإرهابي المتزايد بعد ثورة 25 يناير 2011 والذي بلغ اوج قوته بعد الاطاحة بجماعة الاخوان من الحكم في 30 يونيو 2013. والإرهاب هو الخطر الأبرز في السنوات الأخيرة كجزء من حروب الجيل الرابع والمصنف ضمن التهديدات اللامتناظرة.
- مصر لديها اضخم حقل للغاز الطبيعي في البحر المتوسط، وتشير كافة التوقعات والدراسات إلى وجود احتياطيات اخرى ضخمة من الغاز في البحرين المتوسط والأحمر لم تكتشف بعد. إلى جانب وجود صراع بين دول المنطقة على غاز شرقي المتوسط.
- مصر لديها مصالح اقتصادية وتجارية متزايدة، في ظل المشاريع الاستراتيجية العملاقة الجاري العمل عليها، وعلى رأسها " محور قناة السويس - تنمية سيناء - المدن الجديدة - محطة الضبعة النووية - محطات الطاقة الكهربية - شبكة الطرق الجديدة وتطوير السكك الحديدية " والتي ستسهم في جذب أضخم الاستثمارات الأجنبية والخطوط الملاحية العالمية.
- مصر تنفذ برنامجاً مُكثفاً للاصلاح الاقتصادي للتخلص من أخطاء تراكمت على مدار عشرات من السنين، وتمر بفترة حرجة يعاني فيها اغلب المواطنين من الاثار السلبية لهذا الإصلاح، وفي ظل توقعات ومؤشرات إيجابية عن نمو الاقتصاد المصري بشكل متسارع ووصوله لمستويات افضل خلال السنوات القادمة.
- مصر لديها اكبر واضخم جيش في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا ويُعد الأقوى عربيا وأفريقيا والثاني شرق اوسطيا ( بعد إسرائيل )، وقوات بحرية هي الأكبر والأقوى عربيا وأفريقيا والثانية شرق أوسطيا ( بعد البحرية التركية )، وهذا الجيش في حاجة إلى استدامة التطوير والتسليح والتجهيز والتدريب للإبقاء على جاهزيته وقوته وكفاءته ومواكبته للتقدم التكنولوجي العالمي ومواكبته التطورات والتحديات والتهديدات في الإقليم.
بناءا على ما سبق من معطيات، سنجد ان مصر لديها عدد من التحديات الاقتصادية والسياسية والتهديدات المتعددة على مختلف اتجاهاتها الاستراتيجية، لم تكن امكانيات قواتها المسلحة من تسليح وتجهيز حتى عام 2013 لتكفي او تتناسب معها على الإطلاق.
فالسياسة والاقتصاد والدفاع هم مثلث لا يمكن ان يكتمل بوجود قصر في أحد اضلاعه ..
السياسة الخارجية المتوازنة القائمة على الشراكات الاستراتيجية والمصالح المشتركة ينتج عنها استقرار في العلاقات مع الدول الاجنبية وجذب للاستثمارات المباشرة والمنح والقروض الموجهة لتمويل المشاريع المختلفة واقامة لعلاقات عسكرية ينتج عنها تدريبات مشتركة وتعاون امني وعقود تسليح نوعية.
استقرار الوضع السياسي داخل الدولة يعني استقرار للوضع الامني وتدوير لعجلة الانتاج وتشجيع للاستثمار والسياحة وانتعاش في حركة السوق من بيه وشراء وانتعاش في اسواق المال ... إلخ
العلاقات السياسية السيئة مع الدول وخاصة العظمى منها تعني سحب للسفراء ووجود توتر وضغوط وعقوبات اقتصادية وسياسية وعسكرية وعزلة دولية، وسينتج عنه على الفور تدهور في الوضع الداخلي والاقتصاد والأمن وانتشار الاحتجاجات والمظاهرات .. إلخ
الوضع السياسي الداخلي الغير مستقر يعني وجود فوضى وغياب للأمن وهروب لرؤوس الأموال وتوقف الانتاج وانهيار في المؤسسات وتوقف لكافة عقود التسليح من الخارج لتخوف الدول المُصدرة للسلاح -وخاصة النوعي منه- من سقوطه في أيادٍ غير مسؤولة، كالمليشيات والتنظيمات الإرهابية.
عدم الاستقرار في الوضع السياسي داخل الدول المحيطة في نفس النطاق الاقليمي والتي منها ما يُمثل عمقاً استراتيجيا مُباشراً للدولة ( سوريا العمق الاستراتيجي في الاتجاه الشمالي الشرقي - ليبيا العمق الاستراتيجي في الاتجه الغربي - السودان العمق الاستراتيجي في الاتجاه الجنوبي ) يزيد من الأعباء الملقاة على كاهل الدولة لإحداث التوازن الاستراتيجي المُختل وسد الفراغ الناشىء عن غياب تلك الدول وخروجها من معادلة القوة في المنطقة.
الاقتصاد القوي يعني تزايد في الاستثمارات وفرص العمل والتشغيل والانتاج وتحقيق للتوازن بين العرض والطلب وزيادة في حجم الصادرات وتقليل الاستيراد وتعاظم في الموارد المختلفة وزيادة في الاحتياطي الاستراتيجي من العملة الصعبة، وبالتبعية يعني مزيد من القدرة على بناء جيش قوي متطور مزود بأحدث منظومات التسليح بما يكفي ويتناسب مع ذلك الاقتصاد ليحميه .. ولا يقوى الاقتصاد الا بوجود استقرار سياسي وقدرات عسكرية قوية ..
الدفاع يعني وجود قوات مسلحة قوية، متطورة، وقادرة على حماية اراضي الدولة وامنها القومي ومصالحها الاقتصادية والتجارية المختلفة وكذلك حماية الاستثمارات الاجنبية والحيلولة دون هروبها عند اول بادرة لعدم الاستقرار الامني داخليا او خارجيا .. ولا توجد قدرة لدفاع والتامين الا بوجود علاقات سياسية قوية ووضع سياسي داخلي مستقر واقتصاد قوي قادر على تمويل وتعزيز تلك القدرة.
الخلل في القوة العسكرية والقدرة على تحقيق الردع يعني تزايد الأطماع الخارجية والتدخل الخارجي في سياسة الدولة والتعدي على ثرواتها الطبيعية ( كالغاز والنفط ) ووقوعها تحت تاثير ونفوذ / تآمر الدول الأخرى وكذلك الخضوع للإملاءات والشروط والدخول في تبعية سياسية كاملة للدول الاكثر قوة وسط غياب تام للقرار السياسي الوطني ( الدول العظمى تأمر [ الولايات المتحدة - روسيا - الصين ] والدول الاقل قوة تتآمر ( قطر - تركيا - إسرائيل - إيران ) ..
ــــــــــ



إرسال تعليق