تابع الموقع وحمل التطبيق وسجل الاعجاب بصفحة الفيسبوك



أخيرا تمكّن حمّو ورفيقُه حسين من الوصول إلى مكان غادرته إحدى العائلات للتّو، استقرا به ليستريحا من عناء السّفر و بطشِ الجوع وشدّة العطش، وهما لا يفقهان في أبجديات البحر وأشيائه شيئا، ولم يجلبا معهما ولا قطعة معينة تدلّ على أنهما قصدا البحر، فَجلُّ متاعهما القليلُ المتواضع يبيّن طبيعتَهما الجبليّة العفويّة، وأنهما عابرا سبيلٍ ليس إلّا. لكنَّ حدّةَ حدسِهما القويةَ وسرعةَ البديهة التي تشكّلتا في بيئتهما الرّيفيّة وممارستَهما الرّعيَ الذي يعتمد على الحرص، واليقظةِ المتواصلة والترّكيزِ، وممارسةِ التّفكير حِيالَ محيطِهما، والحديث الدّاخلي هي خِبْراتٌ مكنتْهما من فهم سريع لما حولهما، فترصّدا بدقّة بعض الشّبان القريبين منهما، ولا حظا كلَّ ما يقومون به قبل الدّخول إلى البحر. فنزاعا ثيابهما المهترئة وأبقيا على سراويلهما الخفيفة، تقدما نحو البحر أُسْوَةً بالشّبان الآخرين، فبدءا التّعامل مع مياه البحر بحذر، مسترجعين ترسانةَ خبرتِهما في السّباحة بالوديان والأحواض المائية العديدة المنجزة بالحجارة والاسمنت بالقرية لتخزين المياه من أجل سقي الحقول. احتضنهما البحر بدون سوابق أحكام، وداعب جسديهما المرهقين بأمواجه اللّطيفة، واحتفى بفرحتهما البريئة العفوية، وغدق عليهما ببركات مياهه المالحة. عادا إلى اليابسة الرّمليّة الرّماديّة، فاستلقيا لتلفح أشعّة الشّمس بشرتهما البيضاء وتُنضِجها لمأساة أكثر بطشا وضراوة!

   بلغ بهما الجوع مبلغا عظيما، أقترب حمّو من جماعة الشّبان الموجودين بمحاذاتهما، فسألهم عن مكان يقتني منه الخبز، أرشدوه بأن يصعد إلى الطّريق حيث بعض الدّكاكين التي تموّن المصطاف بما يحتاج إليه، عثر على المتجر بشقّ النّفس، ابتاع علبة سردين وخبزاً وعاد إلى الشّاطئ. تناولا الوجبة المتواضعة معا. كانت السّاعة تشير إلى الثّالثة بعد الزّوال، لم يفكّرا بعد في المبيت، أفقدهما سحر المنطقة بوصلتهما. بدأت الحيرة تحوم حولهما فسأل حمّو صديقه:

- ما رأيك أن نجمع أغراضنا ونكمل الطّريق إلى بجاية؟

لم يجبه حسين كان تائها في تفاصيل ذاك الجسد الأنثويّ الملقيّ قربه منذ أن صعد صديقه لجلب الخبز، صعق المسكين، تصدّعت حواجز كبيرة بداخله، كان في القرية ينتظر ساعات طوال لرؤية فتاة تعبر إلى العين وبلباس محتشم جدّا، حتى أثناء الرّعي ترتدي الفتيات لباسا منفّرا لا يصلح للإثارة على الإطلاق. وها هو الآن يشاهد فتاة فارعة بجسد أنضجته الشّمس، وأمدّته بلون بنّي فاتح، مُرتديةً قطعتين من قماش وردي فاتح، متمدّدةً أمام عينيه، كاد أن لا يصدّق بالفتنة الماثلة أمامه! لم يستغرُب رفيقُه صمتَه الرّهيب حين عرف السّر الذي عصف به هو أيضا، فشملته تلك الفاتنة بجمالها اللّا محدود، وضمنت لهما متعة عابرة ما عاشاها من قبل، أحدثت في كيانهما الهشَّ أعطابا بالجملة وخسائرَ فادحة، من أين للشّقيّيْن بكلّ قِطع الغيار الّلازمةِ لترميم روحيهما المتصدّعة؟ ومن يكُ التّقني البارع القادر على إصلاح ما فسد؟ وما هي المدّة الزّمنية المطلوبة ليتعافيا ممّا أصابهما؟ وما الثّمن المطلوب لتغطية التكاليف المنجرّة عن كلّ هذا؟ 

أعاد حمّو المسكينُ المرهق طرحَ فكرةِ المغادرة على صديقه:

- علينا أن نغادر يا صديقي، اللّيل قادم، السّاعة تشير إلى الخامسة زوالا، ماذا ننتظر، هيّا بنا؟  

- انتظر قليلا أنا متعب، انتابني شعور أنّني لا أقوى على المسّير. 

- ما العمل إذاً؟

- لا أعرف، ولا يمكنني أن أفكّر في شيء عدا النّومَ!

- الأمر واضح إذًا، نقضي اللّيلة على الشّاطئ.

- الأمر لا يحتاج إلى نقاش ياحمّو، عليك بالعودة إلى الدّكان واشري قطعة خبز أخرى نتناولها عند العشاء.

- حسنا أنا ذاهب حالا.

- شكرا صديقي سامحني.

ذهب حمّو للتّو إلى المتجر، و بقي حسين يتأمل تارة باطنه المفجوع، و وتارة أخرى محيطَه الجميل المختزل في ذاك الملاك، التي تداعب الأمواج، وتغوص تحتها كأنّها سمكة في قمّة قوّتها وجمالها، أو قل هي سفينة ممشوقة حاملة الحياة فوق عباب الموت. ها هي مقبلة إلى اليابسة في مشهد جليل؛ جسدٌ يتحدّث بكلّ ما فيه، وكلُّ حركةٍ أو اهتزازٌ يتخلّله، يُفرغ في الكائن الملفوظ به على الشّاطئ، خطابا محكما من جميع أطياف الفنّ. لو منحه القدر البقاءَ هنا عُمُرَ نوحٍ ما استطاع الإلمامَ به. انعكست علي سطح بشرتها أطياف الشّمس المنحدرة صوب الغروب، وقطرات الماء المالحة تنسدل فوقها آسِفاتٍ  كلّ الأسف على مغادر الجسم الملائكي! صدرٌ فائض يتحرش بالعابرين والقاعدين والمتربصين، وذاك المِعصَم احتجاجا على مفارقة القدر. حلمتا نهديها أنتصبتا بقوّة، وارتسمتا تحت قماش صدريتها النّاعم المبتل، حتى كادتا أن تخترقاه! هذا قدر حسين المحموم، راح يضع رأسه على كيس القماش الأسود أصطدم رأسه بنايه القصبيّ، تراجع عن قصده وأخرج النّاي من الكيس، مسحه بيده، و في تلك اللّحظة عاد حمّو ومعه قطعةُ خبز، مرّ بهما رجل ضخم بشواربَ سوداءَ طويلة، توقّف عندما وقعت عينُه على النّاي، فطلبه من العازف القرويّ فلم يمتنع، تناوله السيّد بلطف كبير وعزف أنغاما من الطّابع الشّاوي مؤثّرة جدّا، التف حولهم بعض المصطافين من الرّجال والنّساء والأطفال، فصنع الرّجل أجواءً متميزة من الفرح. غادر السّيد وشكرهما على منحه النّاي، فتح لحسين المجال ليداعب ثقوب نايه بسدّها وفتحها بأصابعه السّحرية، ليبدع أبلغ الألحان وأشدّها فتكا بالقلوب الحسّاسة الرّهيفة، المعزوفات العفوية التي ملأ بها محيطه لأول مرّة. هي طاقم من النّوتات المُنضَجَةِ بِلفْح مأساته الغائرة، فشيَّدَ بصدقها وعمقها حيّزا محترما في قلوب ضحاياه. بدأ الشّاطئ يودّع روّاده العابرين، حاملين أمتعتهم بنوع من الفوضى، تعبّر عن عدم رضاهم بالمغادرة الاضطرارية لعوالم البحر السّاحرة. قرص الشّمس أخذ  لونُه المعهودُ يتغيّر بتدرج على سلم الألوان، نحو خطّ الأفق الحادّ ليصبح برتقاليا، يضفي على الوجود جمالا آسِرًا، غروبٌ خرافي، يرمّم ويوطّد علاقة المشمولين بنوره بملكوت العلي القدير. فرغ الفضاءُ الذي احتفى بقدومهما إلّا من بضع النّازلين المقيمين بفنادق تيشي بعائلاتهم، وتلك الفتاة الأسطورية التي دكّت أركان حسين دكّا خطيرا، كانت تلاحظ منذ قدومها هيئة القرويين الغريبة، لكن الأنغام التي تصدر من ناحيتهما أكثر غرابة من أي شيء آخر! اخترقتْ روحَها وجعلتْها تطيل المكوث على الشّاطئ، لم تصبر كثيرا بعدما فرغ من المصطافين، اقتربت منهما وحدثتهما باللّغة البلغارية، فلم يفهما شيئا ثم حاولتْ معهما بالفرنسية، فلم يفهما الكثير من كلامها إلّا كلمة بلغاريا ومن خلال إشارتها أنّها تودّ الجلوس معهما لتستمتع بوصلات النّاي الحزينة المؤثّرة، رحبا بها بالإشارات أيضا، جلست أمامهما ساترةً فخذيها اللّتيْن تُسيلان اللّعاب بقطعة قماش خفيفة بلون ازرق فاتح. في هذا المشهد الدّرامي العفويّ المتكامل والمنسجم، وجرعةِ الجمال الزّائدة التي ارتشفها حسين بعينيه من بهاء وحسن الفتاة البلغارية، جعل الإبداع ينزل عليه وحْيًا من السّماء، فيحوّل كلّ ذلك الزّخمِ إلى مقاطعَ نادرةٍ من الموسيقى الجبليّة الأصيلة الشّامخة، المنحدرة من عرش "آيث سليمان" العريق.

   حين أخذ الظّلام يجثو على المنطقة رويدا رويدا، تسرّب القلقُ إلى قلب أمِّ الفتاة البلغارية الموجودةِ بأحد المنازل القريبة من نزل السّطح الكبير، فنادت زوجها:

- فيليشكو هيّا بنا ننزل إلى الشّاطئ، "سَفارا" تأخرتْ كثيرا.

- ليس من عادتها أن تمكث إلى هذا الوقت.

- يجب علينا أن نستطلع الأمر حالا.. اتّصل ببوزيد هاتفيا لكي يرافقَنا.

- الآن يكون قد فرغ من عمله بالمطعم، سأتصل به فورا.

تمكن فيليشكو بعد عدّة محاولات من الاتّصال ببوزيد؛ الشّابِّ الذي يرافقهم في بعض تنقلاتهم حيث يساعدهم في التّواصل، فهو بمثابة مرشد العائلة الصّغيرة، لمعرفته الدّقيقة بالمنطّقة، وإتقانهِ الحديث باللّغة العربية والامازيغية والفرنسية. أخبره "بوزيد" أنّه ينتظرهما في الأسفل قرب الشّاطئ. نزل البلغاريّ مع زوجته "بولينا" فوجدا "بوزيد" ينتظرهما، و بعد التحيّة الحارة المليئة بالوّد والاحترام، تقدّمهما الشّاب ناحية الصّخور البارزة التي يحتفي بها هذا المكان، فسمعوا من بعيد صوت النّاي ينبعث من تلك المجموعة المتحلّقة هناك، اقتربوا منها. لمحتهم "سفارا" فلوّحت إليهم بِيَدَيْها، انظموا مباشرة إليهم وقدّمتهم للقرويين وعرّفت المجموعتيْن ببعضهما من خ"بوزيد" طبعا. استمر العزفُ مطولا، فاستمتع الجميعُ بهذه الأنغام الجبليّة التي تدغدغ أرواحَ الحاضرين. لغةٌ تمارس سطوتَها بكلّ ثقة دون الحاجة إلى مترجم يبلّغها، إنّه خطاب الطّبيعة الذي يتيح فرصة لكلّ مَن ينتمي إلى حظيرة البشر للاستمتاع، وأخذِ نصيبِه كاملا من المتعة ، ولا يمكن لأيٍّ كان أن ينفي الطّابع الديمقراطي في هذا المجال! لم يستطع القرويان فهْمَ ما حدث وما يحدث؛ كيف قادهما القدر إلى هنا؟ كيف جرى أن أحاط بهم هؤلاء المنصتين الجيّدين، يتابعون العزف ويتفاعلون بالتّصفيقات المشجّعة، ويُعرِبون عن سعادتهم الكبيرة بهذا. شيء حيّرهما لكنّه لم يتحوّل إلى سؤال واضح في عقليهما بعد.

   بالنّسبة ل"فيليشكو" وزوجتِه"بولينا" وابنتيهما سفارا، فإنهم اكتشفوا شيئا رائعا ومثيرا في الموسيقى الجبليّة الجزائريّة التي تشبه موسيقاهم التقليدية الفلكلورية تماما، حتى زيَّهم التّقليديَّ فإنه يشبه الزّيَّ التقليدي الجزائريَّ الأمازيغيّ.

   عرفت "سفارا" منهما انهما عابرا سبيل، قصدا مدينة بجاية من أجل العمل، فحطّا الرّحالة بهذا المكان للاستراحة وربما لقضاء اللّيلة. أدركتْ أنّهما لا يعرفان المنطقة، ولا يملكان المال الكافي للمأكل والمبيت. غادرت العائلة الشّاطئ شاكرين الثّنائي على جهودهما في الإمتاع والتّرفيه. أخبرت الفتاةُ أمَّها بحال الفَتييْن، فطلبت "بولينا" فوْرًا من"بوزيد" أن يأخذَ إليهما العشاءَ على حسابها، وبعث الأب بورقة نقدية من فئة عشرة دنانيرَ هديةً لهما. تناولا عشاءا لذيذا لم يتناولا مثله في حياتهما قطُّ، وتمكّنا من قضاء ليلة صعبة نظرا للرّطوبة العالية وكثرةِ البعوض، لكنْ بداخلهما بدأ يعشّش الأملُ. 

   في الصّباح الباكر، جمعا أمتعتهما وصعدا إلى الطّريق، واستقالا تاكسي جماعي إلى بجاية، أنزلهما بمحطّة لخميس.و دون تفكير توجها صوبَ المدينة القديمة عبر نهج العقيد عميروش، حتى إذا بلغا دار البريد، انعطفا إلى اليمين فتوغلا في الممرّ المؤدي إلى ساحة أوّل نوفمبر، حيث وجدا مقاعدَ فارغة، جلسا للاستراحة، وهما يستمتعان بالنّظر من هذه المكان الجذّاب المطلّ على الميناء، ليتابعا حركة السّفن المختلفة، وهي في حركة متناغمة على سطح الماء الذي يعكس أشعّة الشّمس السّاطعة، وحركاتِ الحمام والنّوارس البهلوانية في ذلك الفضاء المفتوح. 

    المدينة الكبيرة التي لا تزال نائمة كعادتها، ستكون نمطا غريبا ومعقّدا، وجديدا بالنّسبة لحمّو وصديقه حسين حقّا، على كلّ الأصعدة، ما يشكّل لهما عائقا حقيقيا في التّكيف مع النّمط الحضاري الجديد، حاولا الانتقال من عالمٍ بسيطٍ هادئٍ منغلقٍ على ذاته، إلى عالم آخرَ على النّقيض تماما، إيقاعُه سريعٌ جدا، صاخبٌ، وحيويّ، ومنفتح على الآخرين. ساهم هذا الحدثُ غيرُ  المُتَوقَّع في إحداث هزّةٍ عنيفة بداخلهما، ستسهل عليهما خوْضَ غِمار عمليةِ الانخراط مع الغير والتّكيفِ الصّحيحِ مع نظام المدينة. تعتبر هذه الرّحلةُ ولادةً جديدة ستغير نظرتَهما إلى العالم، وإلى نفسيهما. كما تساءل القرويان عن السرّ الحقيقي الذي جعل المقاطع الموسيقية تتسرب بسلاسة إلى أعماق العائلة البلغارية، وتخلق بينهما القطبين جسرا متيناً من المحبّة الخالصة. فبدأ يشعر عازفُ النّاي أنّه بامتلاكه موهبةِ العزفِ هذه، إنما يمتلك أداةً بمثابة سلاح يطوّع بها النّفوس الذّواقةَ، الأصيلةَ، الحالمة، الرّهيفة، بل يمكن القولُ أنّه اكتشف نفسَه لأوّل مرّة على هذا الصّعيد!. 

أضف تعليق

أحدث أقدم