توليفة الفانتازيا اللامعقولة واللغة الرمزية
فور نزول" لوكاندة بير الوطاويط " حدثت ضجّة كبرى وتكهن عما تدور حوله الرواية,وجدت الكثيرون يصدرون أحكام على عملٍ لم يتجاوزوا نصفه,وهذا ما يسمى بالأحكام المُسبقة الغير عادلة.
قرأتُ الرواية فور نزولها حبًّا وإيمانَا بإختلاف فكر الكاتب أحمد مراد,حاولت أن أكون مُنصفة متجردة لكلِّ ماوقع عليه نظرى من آراء موجهة للرواية ليس تجاهلًا لكن المحلل الناقد عليه مراعاة المجهود المبذول من المُبدع,وعليه أيضًا النظر لجماليات النص,وعليه أيضًا قطف الأفكار المزروعة في العمل الإبداعي.
كأنه في بستانٍ كبيرٌ يختار منه الورود الجميلة. عندما قرأت الرواية وجدت جهدًا مبذول مختلف تمامًا عن مستوى اللغة التى كان يكتب بها مراد رواياته السابقة.
فالكاتب بذل جهدًا كبيرًا حيث أطلع على كتب التاريخ والتراث ؛لأنه عندما كتب روايته التاريخية الخيالية 1919 كانت لغة السرد بالعربية الفصحى والحوار بالعامية,نهيك عن لغة العصر,لكنه في بير الوطاويط حاول أن يثبت للمنتقدين أنه قادرعلى كتابة الرواية كاملة بالفصحي دون كلل أو ملل بل بلغة مُحكمة ومُكثفة في أساليبها وموروثاتها الشعبية,أضافة لذلك مفرادتها التى كانت تُستخدم خلال تلك الفترة :" كل كلب على مزبلته نبَّاح" .
"لماذا اختار الهجين أعضاء تلك الكوبانية السَّرية للقتل مادام نشاطهم قد انفض منذ زمن بعيد" .
" ...لكى تتفهم السبب الذي أتى به إلي المارستان أيها الحكيمباشي الموقّر سيكون عليَّ أن أعود للوراء,أيام عصيبة لأسرد ماحدث بدقة متناهية لا تقبل الجدل ولا تخضع للنسيان" .
تُقدم كل صفحة في الرواية عنصر التشويق,حيث الجرائم التى تحدث بشخصيات مرموقة لها علاقة بـ "أفندينا " هم أحد رجال السلطان "عبد العزيز الأول" يحاول "سليمان جابر السيوفي أفندي" المصور المُتعب نفسيًا,المُصاب بالهلاوس فك تلك الألغاز التى تصنع لغة الرمز في الرواية حيث يكلم الأموات و الأشجار,كأنه يمتلك حكمة الأنبياء هو مستوى فكرى للكاتب يمزج فيها الفانتازيا بالمعقول في ثوب الأحلام ؛ليدحض الواقع التاريخي ليعبر عن استياءه,لكن في ثوب أحداث تجذب القارئ للبحث والتمعن في دقة المعلومات؛لذلك كانت اللغة وصيغة الأسلوب تصيب الهدف بدقة من خلال حكىّ القصة التى تجذبنا جميعًا فى قالب "مذكرات تعود لعام 1864" .
أحداث تنوعت في حوادث تاريخية واقعية محبوكة من خلال رسم شخصيات تناسبها.هذا ما يسمى بــ"الرؤية الثقافية الناضجة" التى يجد فيها المبدع راحته؛لأننا لا نجبر الكاتب على رسم ما نريده بل نستمتع بما يريده خياله وأحساسه الداخلي بل نتعايش مع حالة شخصياته التى من خلالها يتم طرح القضايا التى تُشكل هاجس المُبدع .
يقدم الكاتب الصفحة المنطقية أو بالأحرى الاجتماعية والتاريخية لشخصياته ليبرر أفعالهم,فمن خلال تبريرنا لِمَا يفعلونه نلتمس لهم العذر شخصية "عزيزة " المرأة الشبقة التى تخون زوجها مع " سليمان " التى تعرضت للاغتصاب على يَدّ والدها " ...عزيزة ولدت في الإسكندرية,تربت تحت أبٍ قاسٍ اعتاد صفعة كلما تكلمت ... حتى تسللت لها الأنوثة مبكرًا وانتفخت الفاتن, فالتفت إليها ...وقت استحمامها ثم وطأها بعد مقاومة لا تذكر عقب وفاة أمها" تلك القضية لم تكن جريئة منه؛لكنها قضية يكشف بهاعن ضحايا تلك الحادثة,نموذج من ضمن النماذج الحياتية التى لا نلتفت إليها في مجتمعنا,لذلك لم أجد فجاجة لما تفعله "عزيزة" مع "سليمان السيوفي " ولا حتى فى الألفاظ المستخدمة في الحوار التى يعبر من خلالها عن ثقافتها مع سليمان؛لأنها مناسبة لنشأتها.أمّا شخصية "سيد عجوة " الرجل الذى تدور عنه الأساطير والقصص وأنه محقن فى خصيته بدم السباع مما يجعله محور حديث الحارة, هى سمة من سمات الحي الشعبي القديم في تلك الحقبة الزمنية,صحيح أننى لم أجد وصف مفصل لبنية المكان مماثلة للبنية الزمنية التى عبر عنها الكاتب لكنه فعل منطقي؛لأنها "مذكرات شخصية لسليمان السيوفي" أيضًا لم تغيب المتعة العقلية خلال قرائتى للرواية وتتابعي لأحداثها حينما ظهرت شخصية "قشطة/الجارية السوداء " التى ذُكرت قصتها في ص 166 : ".. ثم أقتربت منها لأتأمل الذيل,فقرات عُصعُص...لم أشك للحظة أن المسكينة نتاج تزاوج بين البشر والقردة!" إلى ص 171 تلك الصفحات تحديدًا التى برع مراد في كتابتها من الناحية التصويرية الوصفية,حيث سرد قصتها وعبّر عن قضية شائكة خلال تلك الفترة الزمنية هي " تجارة الرق والعبيد" ليأخذنا لشخصية الرئيس الإمريكى إبراهام لنكولن الذى حارب بكل قوته تلك التجارة إلى أن جاءت النتائج بأعلان التحرير الذي صدر في 22 سبتمبر من عام 1862وبدأ تنفيذه في 1 يناير من عام 1863.
يهرب مراد دائمًا من قيود التقليدية خلال طرحه لقضاياه بأساليبه الفكرية الخاصة خلال كتاباته,حيث وضع تلك القضية في إطار قصصي مشوق,ليجعل القارئ يتفاعل مع النص من خلال البحث عن المعلومات ليصبح البحث والاستمتاع بالإبداع خطان متوازيان,بما فيها الشخصية المحوريّة سليمان خلال توجده في "مارستان ورش الجوخ"نقل مراد المأساة التى تمارسها سلطة أفنديا على لسان ساسون :"... أفندينا أصدر أمرًا سريًّا بعدم خروج فاقدى الأهلية منالعنابر,وإخصاء الميئوس من حالتهم حتى لا يتناسلوا فتنتشر أمراضهم بين الذُّريات,ومن تأكد من مرضه فسيتم منعه من الزواج,وشدد بعدم عودتهم للسكك والميادين حتى لا يفسد وجه العاصمة حين تُستقبل الضيوف والخواجات,مارأيك؟" في قلب هذا التشكيل أو التوليفة الخيالية المُقدمة مع تصاعد الأحداث وتزايد عمليات القتل البشعة التى يبحث سليمان السيوفي عن قاتلها نجد رغبة جامحة من المبدع للتحليق في فضاء الخيال اللانهائي مع مسحة واقعية من التاريخ مع حدث غير منطقي؛ليستدل عن الفساد الذى ينخر في تلك الفترة العثمانية رواية 1919.
عبر عن انتهاكات الأتراك وإقامتهم للمذابح أولها " مذابح الأرمن " ينسج مراد الشخصيات في بير الوطاويط حيث يضع الرموز وطرق القتل والهلاوس ليعبر عن تمدد البطش العثماني بساحة القلعة "مذبحة المماليك " الحادثة التاريخيَّة التى وقعت في ولاية مصر العثمانية دبرها محمد علي باشا للتخلص من أعدائه المماليك,صور طريقة استوحاشهم في القتل,لذلك أجد طريقة القتل والحوادث الغامضة التى يفك ألغازها السيوفي في الرواية خلال تشابك الأحداث ضَدّ أرجوزات أفندينا نتاجًا منطقيًا لطريقتهم الأولي في الإبادة؛ لذلك شعرت أن طرق القتل أمتدادًا رمزيًا لحادثة مذبحة القلعة التى تعبر عن التطور التاريخي لمذابح الحكم العثماني حتى أننى أوشكت علي لصق مصطلح "الإبادة" بتاريخهم لنُشير إليه مرة أخري رغم ذكره في مقالة سابقة كتبتها عنه :
" الإبادة هى حرب ضمن الحروب المتعددة التى سمعنا عنها أوعايشناها,هي استبدال شعب بشعب وثقافة بثقافة, من وجهة نظرى هى عملية اغتصاب بشعة ومنظمة تطورت اساليبها فى عصرنا,هي غزو ممنهج يستولي فيه المغتصب على هوية أهل الأرض,وتاريخهم وخصوصياتهم وانتمائهم إليها علي مدى آلاف القرون والسنين ... " لذلك تُعدّ رواية "لوكاندة بير الوطاويط " فكرة لها عمق استمتاعي لها منظومة بنائية؛لترسم الخطوط العنكوبتية المتداخلة مابين الأحداث الواقعية والمتخيلة والفانتازيا والرمزية,لتهيئ كيانات فنية ذات طابع روائى فلسفي:"... فجأة قام رشيد باشا فاعتلى الكنبة بغتة ورفع يده بحماسٍ مُبالغًا فيه :" ندعوكم,سادة المماليك,لحفل بمناسبة تولي أحمد باشا طوسون بن محمد علي باشا قيادة الجيش الخارج إلى الحجاز للقضاء على الوهابين يالها من فكرة عبقرية!" هنا نجد مراد يخلق عالم خيالي يدمج فيه جميع القضايا الإنسانية بل ينحت المفردات التابعة لذلك العصر ليخلَّق جو وروح لهذا العالم اتساقًا مع الأشخاص وظروفهم,أسلوب يتمتع بالدهاء الإبداعي الكاتب أحمد مراد لديه طريقته الاستثنائية,حيث يرسم رؤيته الفلسفية الإنسانية في القالب الروائى كمّا يريد لا كما نريد ليجعلنا مصابين بالدهشة أمام قدراته الذهنية والسردية المتجددة أمام كل عمل جديد له,في النهاية أهم من فكرة الرواية الرسالة الإنسانية التى تُقدمها للقارئ وللمجتمع وللعالم أظن أنها أرقى الرسائل التى يقدمها الإبداع الأدبي.



إرسال تعليق