تابع الموقع وحمل التطبيق وسجل الاعجاب بصفحة الفيسبوك
الباحثة بريهان أحمد

تُعدّ رواية " عدَّاء الطائرة الورقية" من روائع الأدب الأفغاني وهي أول أعمال الكاتب خالد حسيني كاتب وطبيب أفغاني أمريكي ولد في 4 مارس 1965 في العاصمة  كابول بأفغانستان ثم انتقل للعيش في إيران حيث كان يعمل والده في السلك الدبلوماسي,مما ساعده على تحرى الدقة أثناء الكتابة,وقد ظهر ذلك خلال أحداث الرواية ؛لأنه لم ينحاز لأى فئة عرقية ولا دينية بل كتب بروحٍ متجردة.

رواية عداء الطائرة تعد المولود الأول له,فلنبدأ بتعريف هذا العمل بصورةٍ أخرى,من وجهة نظرى هو من الأعمال الكلاسيكية المتجددة في عالم الرواية؛لأنها تعتمد على التصوير الدقيق,وعدم التركيز على شخصية بعينهِا,أيضًا لم يركزالمؤلف على وضع الحالة التاريخية والاجتماعية أثناء عملية السرد لكلِّ شخصية من شخصيات الرواية .

 كَمَا اعتمد الكاتب بشكلٍ واضح على التشابك بين أحداث الرواية,كلما ازداد التطور في الرواية,زاد الترابط والدهشة بين ضفاف الكِتَاب,حتّى أن القارئ يشعر بأنه سافر إلى بلاد الأفغان,رحلة سفر دون دفع أى رسوم ,هذا يدل على عدم الأنفصال الجذرى بين الواقع والخيال,حيث يشعرنا بأننا نتأرجح بين منطقية التاريخ المصور خلال الرواية,واللامنطق في التراكيب الخاصة بالبناء السردى؛لأننا سنرى الشخصيات التى ظهرت في بداية العمل,هي نفسها الشخصيات التى تنتهى بها الأحداث,مما يجعلنا في حالة من التشويق المستمر.

 يعتمد عنصر التشويق أيضًا على براعة المؤلف في صياغته للبنية الزمنية للحكاية,حيث يتغلغل الفلاش باك أو كما نسميه "الاسترجاع " في جميع الفصول حيث يتصل رحيم خان ببطل الرواية
"أمير" ليعود لوطنه حيث السر العظيم - لم يعتمد المؤلف على فكرة البطل الأوحد- في لحظة الزمن الحاضر,فيضع أمير السماعة ليعود إلى الماضي البعيد حيث حكايته مع "حسن" الشخصية الموجبة المقابلة لشخصية "أمير" السالبة .

ومنها إلى الأحداث التى غيرت التاريخ كله في بلد الأفعان,حيث تحولت من امبراطورية ملكية إلى جمهورية بعد الانقلاب على الظاهر شاه,الملك الذى شهد عصره أكبر وأقوى تطور تعليمي واقتصادى ورخاء في آسيا الوسطي, كانت نهاية حكمه عام 1973 عندما سافر إلى إيطاليا لإجراء عملية في عينيه، وحينها نظم ابن عمه رئيس الوزراء السابق محمد دواد خان انقلاب ضده وشكل  حكم  جمهوري ,ويذكر الكاتب أن الشعب رغم الانقلاب لم يشعر بأى تغير حيث تغيرت الوجوه فقط والهدف السلطة .

أمّا عما كنتُ اقصده عن عدم التحيز أثناء الكتابة؛لأن الكاتب شيعي,ورغم ذلك كتب عن السنة والتناغم بينهم وبين الشيعة بالأخص الهزارة,ظهر ذلك خلال عرضه لحياة " حسن وأمير " الأصدقاء الأقرب لبعض, وجملة حسن لأمير رغم مواقفه المُخزية ضدّه ليردد قائلًا :"لأجلك ألف مرة ومرة" الجملة التى كانت محور الرواية ورمزيتها,هي تقبل الأختلاف الديني والعرقي.

كما أوضح المعاملة التى كانوا يتعرضون لها الهزارة وحرب الإبادة التى أصبحت أحدى أنواع الحروب الحديثة,الدليل مذبحة مزارشريف التى تعرض لها جميع الهزارة على يدّ طالبان الذين يظننون أنهم يطبقون شرع الله على الأرض لكن الله برئ مما يفعلون.

 وجاء الحوار التالي بين أمير وشيخ طالبان الذى هو نفسه صديقه المهوس جنسيًا بالرجال والنساء,قائلا:" - لن تعرف معنى كلمة " تحرير" حتى تفعل ذلك ،تقف في غرفة مليئة بالأهداف، وتدع الرصاصات تطير،من دون إحساس بالندم أو الحسرة،مدركًا أنك فاضلٌ صالحٌ محترمٌ،مدركًا أنك تقوم بعمل الله.إنه أمرٌ يحبس الأنفاس..."(شيخ الطالبان:آصف) .

والواضح أيضًا أن الحسيني كان متمكن في الرسائل الإبلاغية التى يرسها ويضمنها خلال المشاهد حيث يبرز قيمة أخلاقية وحكمة سياسية أو دنيوية؛وهي كالتالي:
1 " كما يقول الشاعر:كم يبدو الحب صافيًا،ثم يقع البلاء"
2- " الصبي الذي لا يدافع عن نفسه يصبح رجلًا لايستطيع الدفاع عن أي شئ .."
3- " أن تملك ثم تفقد أكثر إيلامًا من ألا تمتلك أصلًا.."
4- ".. لكنني كنت رجلًا،وكل ما أجازف به هو جرح في كبريائي.الجروح تشفي.لكن السمعة لاتشفى".

رواية" عداء الطائرة" لم تعرض قصة وقضايا سياسية فقط لكنها نقلت ثقافة شعب بعاداته وتقاليده,مثل: "ننج /ناموس" أى صاحب شرف وعزة" وعن احترام الكبير " كاكا :عم " و"خواستيجار:المتقدم للعروسة" و "مجرد: أعزب" .

 نُقلت المعاني كما هي,مع ذلك لم يتغير المعنى,كل الجهد المبذول أخرجه لنّا المُترجم ونقل لنا مجموعة من المعاني والقصص المتعددة داخل الرواية,بنفس معناها المقصود في ثقافة الشعب الأفغانى وحضارتهم وتاريخهم بكلِّ حرية,لكنها حرية مقيدة داخل النص,هناك أيضًا تعريف خاص لمهنة "المُترجم" مشهور للدكتور محمد عناني في كتابه فن الترجمة وهو " ...المترجم كاتب .

أى أن عمله هو صوغ الأفكار في كلمات موجَّهة إلي قارئ.والفارق بينه وبين الكاتب الأصيل هو أن الأفكار التى يصوغها ليست أفكاره,بل أفكار سواه" (كتاب فن الترجمة,محمد عناني,ط11,ص5).

هذا التعريف يدل على أن المترجم إيهاب عبدالحميد بذل جهد كبيرًا في نقل ثقافة شعب الأفغاني,أيًضا كان دقيقًا في استخدم الألفاظ,مما يجعل القارئ يتذوق المتعة أثناء القراءة دون الشعور بأى كلل ولا ملل.

الرواية مكونة من :٥٠٧ صفحة رحلة طويلة على نهر كابول في أفغانستان,تعرضت لأفكار تُختصر في مجموعة نقاط:
• انقلاب ظاهر شاه سلطان كابول علي يد داوود ابن عمه خيانة تنافس على الحكم .
•تحالف الأحزاب الشيوعية مع روسيا ضد الحاكم .
•دخول الطالبان أراضي الأفغان وتدميرها .
•تفجير برج التجارة العالمي علي يد الطالبان .
• الطبقية واضطهاد الأقلية ( الهزارة:مذبحة مزار الشريف ) كأن حرب الإبادة العرقية وسيلة مشروعة ومستمرة في كل زمان ومكان.
• قصة الوفاء والتضحية ومعني الصداقة .
• الخطيئة والذنب وإنكار النسب .
رواية لن تستطيع الفرار منها كلما ابتعدت عنها رجعت لأحضان اوراقها مرة أخرى أهم نصائحها الإنسانية :"السرقة هي الخطيئة الوحيدة التي لا يمكن غفرانها.
الخطيئة الأكبر بين كل الخطايا. عندما تقتل رجلا، فأنت تسرق حياة، تسرق حق الزوجة بزوج ، تسرق أباً من أولاده .عندما تسرق حق شخص في الحقيقة ، عندما تغش تسرق حق العدالة ، ليس هناك شر كالسرقة."كما أوضحت فيما سبق أن أهم من فكرة الرواية الرسالة الإنسانية التى تُقدمها للقارئ وللمجتمع وللعالم أظن أنها أرقي الرسائل التى يقدمها الإبداع الأدبي.

2 تعليقات

إرسال تعليق

أحدث أقدم